Pages

Nombre total de pages vues

lundi 9 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 11/19: الإفاضة من عرفات والذكر


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 11/19

الإفاضة من عرفات والذكر

ثالثا: معنى الإفاضة من عرفات

[فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ...] الآية. أفضتم من الجذر (ف، ي، ض) يدلّ على الامتلاء الذي يعقبه تدفّق. يقال: فاض النهر إذا امتلأ وسال. وهنا تتجلّى دلالتان متكاملتان:

* إفاضة مادية: تدّفّق الحجيج من عرفات إلى المشعر.

* إفاضة روحية: امتلاء النفس بحالة الاعتراف حتى تفيض.

 فالواقف بعرفات إذا امتلأت نفسه بحالات التذكّر وإدراك الأشياء على أصلها والاعتراف الصادق بما ارتكبه من خطايا سيعود إلى الله تعالى بقلب سليم. ويذكّرنا هذا بقوله تعالى: [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] (المائدة-83) فالفيض هنا نتيجة معرفة الحق. وكذلك الإفاضة من عرفات نتيجة امتلاء القلب بحقيقة نفسه أمام الله.

رابعا: الذكر بعد عرفات… ذكر مُختلف

تتابع نفس الآية[... فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ] والذكر هنا سيختلف عمّا كان عليه الحاجّ قبل عرفات: ذكرٌ يولد من الداخل، ذكرُ إنسان بدأ حياة جديدة، ذكرُ من خرج من عرفات شخصا آخر، وهذه الحالة هي جوهر الحجّ. ثم تأتي الخاتمة في الآية التالية مباشرة: أمرٌ بالاستغفار ووعدٌ من الله تعالى بالمغفرة. [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة-199)  فالاستغفار هو الثمرة الطبيعية للاعتراف، والمغفرة وعدٌ لمن صدق في مقام المعرفة.

عرفات هي لحظة التحوّل الكبرى في الحج. هي الحدّ الفاصل بين إنسانٍ جاء مثقلًا، وإنسانٍ يعود خفيفًا. هي مقام الاعتراف الذي يفتح باب المغفرة.

فالحجّ ليس حركة انتقال في الجغرافيا، بل عبور في الداخل. ومن لم يعبر في عرفات، لم يبلغ جوهر الحج.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire