Pages

Nombre total de pages vues

jeudi 26 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/37 : صور لا تزال عالقة بذهني -2

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/37

الخميس الأسود 26 جانفي 1978: صور لا تزال عالقة بذهني -2

قلنا إنّ الجيش سرعان ما انتقل –منذ التاسعة صباحا تقريبا- إلى الرمي بالرصاص الحيّ، واستهداف كلّ ما يتحرّك في الشارع. وتحوّل المشهد من تراشق بالحجارة من طرف، والغاز المسيّل للدموع من طرف آخر، إلى مطاردة مسلّحة لشعب أعزل إلاّ من حجارة الرصيف وعلب الكبريت. إذ لم تسلم يومها العديد من وسائل النقل والبنايات العامة والخاصة من التخريب والحرق. انسحبتُ وقتها من ميدان المعركة واختلطتُ مع غيري ببقية المارّة والموظّفين الذين تمكّنوا –أو غامروا بمغادرة مراكز أعمالهم-.
كنّا نسير في طرقات فرعية وأزقّة ضيّقة لم تشملها بعد المطاردة. حتّى إذا وصلنا مفترق طرق أوقفنا رجال الحماية المدنية بعض الوقت، ريثما يتمّ التنسيق مع مسلّحي النظام. عندها يتوقّف الرمي ونتقدّم نحن، الواحد وراء الآخر رافعين الأيدي في الهواء. أمّا الشوارع الرئيسية للعاصمة فقد خلت إلاّ من مجموعات شبابية أصرّت على مواجهة عدوّها من الفرق النظامية وغير النظامية. كانت الفرق المهاجمة على عربات مصفّحة تُشبه الدبابات غير أنّها تسير على عجلات مطّاطية.

أذكر جيّدا يومها، وعند مروري بزقاق مواز لنهج باب سويقة مشاهدتي لسلاح ملقى على الأرض بجانب قطرات دم لم تجفّ بعد، فكنتُ ومن معي نمضي مُهرولين غير عابئين بشيء. وفي زقاق آخر قرب باب الخضراء، بينما كنت أتحسّس ملاذا آمنا، إذ بشاب يجري في الاتجاه المعاكس لي بأقصى سرعة. واصلتُ سيري، ولحظة انعطافي في الزقاق، وجدت نفسي وجها لوجه أمام سلاح في يد شخص. نسيتُ ما كان يرتديه المُطارِد لذاك الشاب، ولكنّي على يقين أنّه لم يكن من الجيش. وقفتُ طرفة عين أمام المُسلّح -وهو يسبّ ويلعن-. ارتعدتُ رعبا. تلعثمتُ....."آ..آ..أريد التوجّه إلى كذا...فمن أين أذهب؟" ردّ عليّ: "امش واسأل ذلك....."لا أذكر أقال ذلك الجندي أو العون أو... ولم يكن يعنيني جوابه أصلا. المهمّ عندي أنّه أدرك وقبل لحظة الصفر أنّني لستُ مَن كان بصدد مطاردته.

استأنفتُ طريقي لساعات حتى أصل إلى نهج علي طراد. وأنا في منتصفه –صعودا- ألمح جنديّا يقف عند التقاء هذا النهج بحديقة القرجاني من تحت، وشابا من الجهة العليا للحديقة يشير بيديه ويقول كلاما لم أتبيّنه لبعد المسافة بيننا. ولكنّ المشهد الذي رأيته لحظتها، وما زال حيّا في ذاكرتي هو: الجندي يصوّب بندقيته نحو الشاب، أسمع طلقا ناريا، الشاب يهوي كجذع شجرة من فوق السور الحديدي –المثبّت وقتها على حافة شارع 9 أفريل-.

وفي حادثة أخرى على علاقة، روى لي الضابط (ن.ب) بالجيش بعد شهرين أو ثلاثة من الخميس الأسود، كيف استوقف زمن الانتفاضة شابا، قال لي الضابط:  بعدما تفحّصتُ بطاقة تعريفه أخليتُ سبيله، ابتعد الشاب خطوات ثمّ التفتَ وبصق نحوي. لم أتردد لحظة، صوّبت نحوه وأطلقت عليه النار قائلا "أهبط بوس بصقتك"./ انتهى كلام الضابط/ ولا أعتقد أنّ (ن) مازال حيّا وآخر ما سمعت عنه ومنذ أكثر من عشرين سنة أنّه أُدخِل مستشفى الرازي لمرض نفسانيّ أصابه. //والفيديو المُصاحب// عند مشاهدته منذ الأيام الأولى للثورة المصرية أحيا في ذاكرتي شريط أحداث الخميس الأسود، وربما هذا ما يُفسّر سبب احتفاظي به من دون عديد الأشرطة الأخرى
http://www.facebook.com/video/video.php?v=330440256996035&saved

ولّى نهار 26 جانفي، وانقطعت الأخبار إلاّ تلك التي كانت تذيعها "جزيرة ذلك الزمان" هيئة الإذاعة البريطانية من لندن (BBC). ثمّ أظلمت الدنيا واصطبغ المشهد الثوري بلون السواد.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 27 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها

.

mercredi 25 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/36






مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/36
الخميس الأسود 26 جانفي 1978: انتفاضة لا بواكي لها -1  

بعد وصول المفاوضات الاجتماعية بين الاتّحاد العام التونسي للشغل والنظام الرسمي إلى طريق مسدود، هدّد المرحوم الحبيب عاشور الأمين العام للاتّحاد بشنّ إضراب عام بالبلاد يوم الخميس 26 جانفي 1978. وأمام تعنّت الحبيب بورقيبة، شهدت البلاد احتجاجات تصاعدية مدّة ثلاثة أيام متتالية، عرفت تونس العاصمة ذروتها يوم الخميس.

أمّا في اليومين السابقين فقد اقتصرت الاحتجاجات في أمسيتيْ الثلاثاء والأربعاء، على خطابات مطلبية وتجمّعات عمالية في ساحة محمد علي:
·        عشية الثلاثاء تفرّق المتظاهرون - دون خسائر تذكر- بعد مناوشات متفرّقة مع رجال للبوليس بالزيّ الرسمي وغير الرسمي.
·        أمّا الأربعاء، فقد بادر البوليس بسدّ المنافذ المؤدّية لمقرّ الاتّحاد. ولم يتمكّن من سماع خطاب ( CISL عشيتها إلاّ المبكّرين بالحضور. لقد أطلّ علينا مسؤول الكنفدرالية من نفس الشرفة التي ألقى منها عبيد البريكي يوم 8 جانفي 2011 خطاب "لن الزمخشرية". وبعد كلمة المبعوث الأوروبي، والتي كانت بلغة غير العربية، عمّت الفوضى الساحة والشوارع المحيطة بها. وشهدت تونس العاصمة أعمال حرق ونهب لعدّة ممتلكات عامة وخاصة. لكنّ الخسائر البشرية والمادية لذلك اليوم ظلّت محدودة وسرّيّة.

 وكعادة وسائل الإعلام الرسمية في كلّ زمان ومكان، لم تكتف التلفزة الوطنية بالتستّر على هذه الأحداث، بل ظلّت -ليلتها- تدعو المواطنين لعدم الإنصات للـ"فئة القليلة المأجورة" التي تهدف إلى تخريب البلاد وتدمير اقتصادها. وكما هو الحال دائما، تزاحم فقهاء السلطة على التلفزة -طوعا أو كرها- للإشادة بسداد رأي "الرئيس الأوحد" وتجريم "العصابة الضّالة". وكان هذا هو الخطأ القاتل في انتفاضة الخميس الأسود. فارتفاع عدد الشهداء يومها، والذي وصل إلى مئات عديدة –دون الجرحى- كان بسبب تقليل وسائل الإعلام من أهميّة الحدث، وحثّ المواطنين على مباشرة أعمالهم. وبالتالي اختلط الشارع صباح الغد الخميس بالمحتجّين والمندسّين والناس العاديين. فكثير من الشهداء كانوا ضحية إعلام مُضلّل، كما هو الحال بالنسبة لسعيد ماسح الأحذية//الشريط المصاحب

أفاق النّاس صباح الخميس 26 جانفي 1978 ليجدوا الجيش قد انتشر بشوارع العاصمة. بدأ المتظاهرون في رشق رجال الجيش بالحجارة، حجارة الأرصفة. إذ لم يجد المتظاهرون عناء كبيرا في اقتلاع جليز رُصّف فوق الرمل دون إسمنت. بداية، كان ردّ الحاكم إطلاق غاز مسيل للدموع، ثمّ تحوّل إلى رصاص: في الهواء، نحو الأرجل، فاستهداف المناطق العليا من الجسم.  كلّ تلك المراحل تمّ لفّها في دقائق قليلة، حيث سقط أمام عينيَّ أول شهيد أمام وكالة أسفار فرنسا والساعة تُشير تقريبا إلى التاسعة صباحا.

ومن تلك اللحظة انقلبت الأوضاع لصالح الحاكم بأيد رجال الجيش. جيش، عقيدته -من المفترض- هي الدفاع عن البلاد والعباد، لا حماية كرسيّ حتى وإن كانت صفة صاحبه رئيس دولة. أمّا رجال الشرطة -يومها- فلم يكن حظّهم أوفر من المواطنين العاديين المُضلّل بهم، والسابق ذكرهم. فقد كانوا مثل عامة الناس، يهرولون في الشوارع منزوعي السلاح، إذ يبدو أنّهم فقدوا صلوحياتهم للتوّ.

 وبدأت المجــــازر... 

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة الخميس 26 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها

.

mardi 24 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/35


.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/35

عشية الجمعة 28 جانفي 2011: انتزاع الشرعية الثورية من الشعب

عرضنا فـ34ـي آخر المتغيّرات في المشهد الثوري لأيام 24 و25 و26 جانفي 2011، وكنّا نوينا التوقّف عند مقارنة سريعة للدور الذي قامت به المؤسسة العسكرية في جانفي 2011 // جانفي 1978. ولكنّنا ارتأينا مواصلة السرد لأحداث جانفي 2011، وإبراز بعض أدوار الجيش فيها. لأنّ هذا سيعفينا –أثناء المقارنة- من تكرار الحديث عن مواقف اتّخذها الجيش في الفترة الأخيرة وكنّا استعرضناها في مواضع سابقة.

بعد التعبئة الشعبية التي شهدتها ساحة القصبة، وأمام رفض المعتصمين للبديل-الحاكم (أي القادم من خارج رحم الثورة) وإصرارهم على إسقاط حكومة الغنوشي، انصرف النظام الرسمي إلى تنازل غادر: فبعد إعلانه منذ أيام عن تكوين لجنة لتقصّي الحقائق برئاسة المرحوم عبد الفتاح عمر –المعيّن أصلا لهذه المهمّة من طرف ابن علي قبيل سقوطه- تمّ يوم 27 جانفي 2011 الإعلان عن إحياء لجنة أخرى من لجان ابن علي يرأسها عياض بن عاشور للإصلاح السياسي. طبعا كان ذلك، بعد بعض التعديلات في الشكل والمضمون. وتمّ في نفس اليوم إجراء تحويرات جزئية في حكومة الغنوشي الأولى. حيث سُمّي فرحات الراجحي وزيرا للداخلية عوض أحمد فريعة، وعبد الكريم الزبيدي وزيرا للعدل بدل رضا قريرة. وشمل التحوير بعض الحقائب الوزارية الأخرى. وفعلا، وجدت الحكومة الجديدة ولجنة ابن عاشور مناصرين لهما من الطبقتيْن الشعبية والمؤسستية، فانسلخوا من اعتصام القصبة.
فعلى سبيل المثال وحسب (وات)، دعا كلّ من الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين المحتجين للعودة إلى جهاتهم. ولكنّ هذه الدعوات استقبلها المتبقّون من اعتصام القصبة بالرفض، أي كما كان الأمر تجاه إغراءات عُرضت عليهم من قبل، وتهديدات تعرّضوا لها خلال فترة الاعتصام.

ومن الغد 28 جانفي 2011، وبعد أول صلاة جمعة في ساحة عامة –وأيّة ساحة؟ إنّها ساحة الحكومة- قام الجيش بإخلاء مواقعه، تاركا المعتصمين مع قدرهم -وجها لوجه مع فرق البوليس المختلفة-.//الشريط المصاحب
 وما إن بدأ رشق الشرطة بالحجارة من طرف البعض، حتى انطلق عدد غفير من رجال البوليس في مطاردة للمحتجّين مستعملين الهراوات والغازات المُسيِّلة للدموع. تمّ خلالها تعنيف بعض الشباب وإلقاء القبض على بعض آخر.//الشريط المصاحب
 أمّا الذين تمكّنوا من الإفلات فقد هاموا على وجوههم في أزقّة ضيّقة وشوارع فسيحة في مدينة غريبة عنهم. وتحقّقت رغبة النظام بـ" تنظيف الساحة " من المحتجّين على قول قائد السبسي خليفة الغنوشي فيما بعد.  وضاع حقّ المُعتدَى عليهم بين أطراف "ثورية" مُتخلّية ووزراء جدد كـ(الراجحي في الداخلية والزبيدي في الدفاع) لم يمض على تعيينهم في الحكومة سوى ساعات قليلة.

ثمّ سرعان ما تعالت الأصوات من خلال أبواق الإعلام المختلفة، والنداءات عبر بيانات الأحزاب والمنظّمات مندّدة بالعمل الإجرامي للحكومة. ومن الغد، رُحِّل الموقوفون إلى مناطقهم الداخلية، بعدما تمّ إطلاق سراحهم جميعا. والتحقت بهم –على دفعات- نفس الأصوات والنداءات المُخادعة، ولكن هذه المرّة لمواساتهم وتقديم الاعتذارات وربما بعض الهدايا.



   وبتفكيك اعتصام القصبة يكون الستار قد أُنزِل على أهم فصل من فصول المشهد الثوري الحديث (بعد14جانفي). لقد كان فصلا تراجيديا-كوميديا بكلّ المعاني.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 24 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

lundi 23 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/34

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/34

24-25-26-01/2011
تعبئة عامة واختبار لإرادة شعب

يوم الإثنين 24، كما ذكرنا سابقا هو اليوم المقرّر لاستئناف الدروس، وهو اليوم الثالث لاعتصام القصبة. الاعتصام الذي انطلق من مسيرة منزل بوزيان عشية 22 جانفي 2011 . اليوم هو24 جانفي وقد اتّسم ببروز المؤسّستيْن الأكثر فاعلية في المشهد الثوري الحديث، وهما: الاتحاد العام التونسي للشغل (نقابة التعليم الثانوي) والجيش الوطني (الجنرال رشيد عمار). فقد أصدر الأول بيانا يدعو رجال التعليم إلى الإضراب العام.  هذا رابطه: 
http://www.facebook.com/photo.php?fbid=332128456820335&set=a.296933767006471.78431.292133654

 بينما تلا الثاني وسط المعتصمين بالقصبة//الشريط المصاحب
 بيانا مكتوبا هذا نصّ بدايته: [...وكلّ ما أطلبه منكم –بكلّ لطف، وأنا صادق في ذلك- أن تتركوا الجيش الوطني حتى يُواصل حماية العباد والبلاد وحماية الثورة...] وسنعود لفحص جدلية الاتّحاد/الجيش حين بلوغ عرضنا يوم 26 جانفي، حيث سنعود بالأحداث إلى مثل ذلك اليوم من سنة 1978 يوم الخميس الأسود.

في هذه الأيام الثلاثة، قلّ اهتمام الجماهير بملفات الفساد والقنّاصة والتجمّع، وتركّزت الاحتجاجات في مناطق عديدة من البلاد على رفضها تركيبة الحكومة الجديدة، لوجود بعض رجالات ابن علي داخلها كالداخلية (فريعة) والخارجية (مرجان) والدفاع (قريرة) والعدل (القروي الشابي). وشهدت هذه الأيام أقوى معاني الانسجام والتوحّد بين أطياف المجتمع التونسي. وكانت ملحمة القصبة//الشريط المصاحب
 وصار من البديهي، في هذا الظرف التاريخي، بروز شعار: [ الشعب يُريد / إسقاط الحكومة ] لذلك حاول الطرف المقابل استرضاء الشعب أو بعض مكوّناته. فقامت الحكومة المنصّبة بإصدار مذكرة توقيف دولية في حقّ ابن علي واعتقال بعض رموز حكمه، ووضع كلّ من القلال وابن ضياء تحت الإقامة الجبرية، وتخفيف حظر الجولان، والإعلان عن جراية خاصّة للمعطّلين من أصحاب الشهائد العليا.

أمّا خارجيا، فبعد أن كانت ثورة تونس هي العامل المؤثِّر شرقا وغربا، أصبحت تحت تأثير العوامل الخارجية: فشرقا، كانت تونس سببا ومنهجا للثورة المصرية، ويوم 25 يناير-جانفي 2011، انطلقت الثورة المصرية، فصارت مصر حافزا إضافيا للثورة في تونس، ودافعا جديدا للصمود. أمّا غربا، وبعد أن هنّأ ساركوزي الشعب التونسي بنجاح ثورته، وانحنى أوباما وكونغرسه احتراما لشجاعة شباب تونس. اليوم، يبعث الأول سفيره الجديد بوريس بوايون لتونس (والسابق بالعراق)، ويُرسل الثاني لزيارة تونس مساعد خارجيته جيفري فيلتمان (والمختصّ بالنزاعات في لبنان). والحدثان الغربيان هما رسالتا دعم واضح للنظام الساقط أو ما تبقّى منه، وإشارتان بارزتان على أنّ النظام الرسمي العالمي قد بدأ لتوّه يستفيق من غيبوبته //الصورة المصاحبة

ووسط كلّ هذا الخضم الداخلي والخارجي، ظهرت المحاولات "التوفيقية" كمبادرة المستيري واتّفاقية هيئة المحامين واقتراح تنظيم مؤقّت للسلط. وارتفعت أصوات "الحكماء" من فقهاء الدساتير والسياسة محذّرة من العواقب الوخيمة الناتجة عن الفراغ الدستوري، مبرّرة رئاسة المبزّع للدولة بأنّها السبيل الوحيد لإغلاق الباب أمام إمكانية عودة ابن علي.
كلّ الأطراف كانت تملك جانبا من الصواب في مواقفها، ولكن كيف توالت فصول المشهد الثوري الحديث بتونس.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 23 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

dimanche 22 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/33

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/33

2011/01/23-22-21
حداد رسمي وتحرّكات شعبية

 رسميا:  دخلت البلاد بداية الأسبوع الثاني بعد رحيل ابن علي في حداد على شهداء الثورة ولمدّة ثلاثة أيام. وتمّ حلّ الديوان السياسي لحزب التجمّع الحاكم. وتقرّر استئناف الدروس بداية من الإثنين 24 جانفي 2011. وأُوقف بثّ قناة حنبعل، وتمّ إلقاء القبض على باعثها وأحد أبنائه بتهمة الخيانة العظمى. وبعد ساعات، عاودت القناة البثّ دون توضيح، في حين لم يقع إطلاق صاحبها إلاّ بعد يوم كامل وبعض اليوم من الحجز. وعرض أحمد المستيري –من قدماء رجال السياسة- مع رفيقيْه مصطفى الفيلالي وأحمد بن صالح مبادرة على فؤاد المبزّع الرئيس المؤقّت ثمّ على المحامين الذين التقفوا كرة الثورة مبكّرا نسبيا.  وتنصّ المبادرة –والتي لم يُكتب لها النجاح- على تشكيل جبهة ذات صلاحيات واسعة وصبغة تأسيسية. //رابط الوثيقة: http://www.facebook.com/photo.php?fbid=332148243485023&set=pb.292133654153149.-2207520000.1358884228&type=3&src=http%3A%2F%2Fsphotos-h.ak.fbcdn.net%2Fhphotos-ak-snc7%2F421227_332148243485023_1693565043_n.jpg&size=523%2C720


 أمّا شعبيا ، فقد تواصل تسريب الوثائق وتقليب الأحداث، كنشر الملفات السوداء لابن علي وأقاربه وأصهاره. وعادت حادثة ماء الفرق بباب سويقة للتداول (الحادثة المنسوبة لمنخرطين في حركة النهضة -الاتجاه الإسلامي، وقتها-) وطفت قضية سقوط الطائرة العسكرية على سطح الأحداث من جديد. وخرجت مسيرات عديدة لأعوان وزارة الداخلية في مناطق مختلفة من البلاد. وأعلن المشاركون فيها من رجال الأمن بمختلف أنواعهم /الصورة المصاحبة -إقليم الأمن ببنزرت/ براءتهم من دماء الشهداء، كما ندّدوا بالمظالم المُسلّطة عليهم.
وشهدت مدينة بنزرت كعديد الجهات هذه الأيام مسيرات توجّهت إحداها لمعقل الزعيم علي بن سالم شيخ المناضلين //الشريط المصاحب
كما تمّ فتح مسجد المركّب الجامعي بعد أن تمّ غلقه من طرف ابن علي في السنوات الفارطة. وقد أحدث شريط زهير مخلوف المصوّر للمسجد بعد تدنيسه، أحدث ضجّة شعبية واسعة، خصوصا بعدما بثّت قناة الجزيرة مقتطفات من الشريط قبيل اندلاع الثورة بأسابيع //الشريط المصاحب

 ولكن تبقى المحطّة البارزة لهذه الفترة هي خروج المسيرة الاحتجاجية من منزل بوزيان لتصبح فيما بعد نواة اعتصام {القصبة1}  //الشريط المصاحب
·        فالكلّ يعلم أنّ الاحتجاجات انطلقت الجمعة 17 ديسمبر2010 من سيدي بوزيد بعد قيام محمد البوعزيزي –رحمه الله- بحرق نفسه.
·        والكلّ يعلم أنّ ابن علي غادر ودون رجعة الجمعة 14 جانفي 2011 بعد يوم مشهود في شارع الحبيب بورقيبة أمام وزارة الداخلية.

·        ولكنّ القليل فقط مَن يعلم أنّ أول مساندة فعلية لسكان سيدي بوزيد جاءت من منزل بوزيان، وأول شهيد للثورة كان محمد العماري الذي سقط الجمعة 24 ديسمبر 2010 في منزل بوزيان//الشريط المصاحب http://www.youtube.com/watch?v=rqwXVNczJ-M
·         وأول من فكّر في [الشعب يريد إسقاط الحكومة] هم أهالي منزل بوزيان.  حيث انطلقت عشية 22 جانفي 2011 مجموعة لا تتجاوز عشرين شابا من منزل بوزيان في اتّجاه العاصمة سيرا على الأقدام (450كم) ثمّ انضمّ للمجموعة في الطريق شبان آخرون -راكبين ومترّجلين- وكانت:  ملحمة القصبة .

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 21 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

samedi 21 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/32/ حاشية


.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/32/ حاشية
فصل ملحق بالمشهد الثوري المحلّي

هذا الفصل لم يجلب انتباهي السنة الفارطة (2012) عند كتابة هذه المقاربة الذاتيّة. ولكنّ تطوّرات الأحداث بعدها جعلتني أتوقّف اليوم عنده.

كانت عديد المقرّات العامّة والخاصّة في البلدة قد احترقت ونُهبت يوميْ 12 و13 جانفي 2011 كما بيّنّا سابقا. ونحن في الأسبوع الأخير من شهر جانفي 2011 بلغني أنّ عرّابَيْ سلطة ابن علي في العالية قد حدّدا موعدا للاجتماع بالسكّان لتدارس الوضع والبحث عن آليات لترميم البنايات المُتضرّرة. والرجلان من أذرع ابن علي: أحدهما في الدين وثانيهما في السياسة. وفي الموعد المُحدّد قصدتُ الجامع المركزي مُتوكّئا على عصاي. وإذا بـ"الفقيه المُصلح" يُعلن العموم أنّ الظرف غير مناسب لمثل هذا الاجتماع، ولذلك تمّ إلغاؤه.

ولكنّ المفاجأة كانت في الغد. فبعد صلاة المغرب جاءني صديق وأعلمني بأنّ الجماعة قد اختلت في مقصورة الإمام لاجتماع مُضيّق. أسرعتُ نحوهم واقتحمتُ عليهم خلوتهم. ومباشرة دخلتُ في الموضوع وطلبتُ من الحاضرين أن أكون عضوا في اللجنة المُراد تجديدها أو إحداثها. وعوض أن يكون الردّ على مطلبي بالقبول أو الرفض، انتفض الحاضرون مُقاطعين الجلسة. بعد أن اعتذر كلّ واحد بسبب من الأسباب الصحيّة أو العائلية. وكان أوّل المُغادرين إمام الجامع، وهو نفسه رئيس اللجنة أو الجمعية بعد أن أوكل المهمّة لشاب من الثلاثة المُتبقّين. دامت الجلسة ساعة ونصف الساعة، أقنعني في نهايتها مُحاوري بالتخّلي عن مطلبي، تقديما لمصلحة البلدة، وكان ذلك فعلا.

ولكن بمرور الزمن، اتّضح لي اليوم –والله أعلم- أنّ الجماعة رفضتني وقتها لا خوفا من اصطدامي بشيخيْ الدين والسياسة، الأمر الذي سيضرّ بمصالح البلدة المزمع إنجازها حسب زعمهم، ولكن خوفا على أنفسهم. فقد اعتقدوا خاطئين أنّي جئتُ لأزاحمهم المناصب. واستنتاجي هذا -والذي جعلني اليوم أُقحم هذا الفصل ضمن مقاربتي- بُنيَ على تطورات الأحداث المُوالية.  فكلّ الحاضرين يومها في المقصورة قد أصبحوا أئمة منابر أو محاريب. وإذا ما اُضطرّوا للإضافة جاء التطعيم من عائلاتهم الدمويّة أو الحزبيّة. أمّا الإمام الزعيم المُتحدّث عنه فلم يعمّر طويلا، لقد أصابته منهم لعنة (ديقاج). 

 فقط، أريد أن أهمس في أذن أصحاب المقصورة أنّ المناصب التي يتهافتون عليها اليوم، قد عُرضت عليّ قبل الثورة وبُعيْدها، ولكنّي رفضتُها. وقد تطرّقتُ لهذه المسألة أكثر من مرّة سابقا، فليطمئنّ الجميع. 

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 21 / 01 / 2013
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

vendredi 20 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/31

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث بتونس/31

14--->21/01/2011
بصمات الثورة بعد أسبوع واحد -محلّيا

عنوان هذا الأسبوع هو الفوضى الشاملة: تهافت على المواد الاستهلاكية، عمليات انتقام من بوليس ابن علي العلنيّ والسرّي، بناءات فوضوية //الصورة المصاحبة، تسريب وثائق أو ما أُطلق عليه اسم عملية تونيليكس، صلاة جماعية في الطريق العام//الشريط المصاحب وهو من خارج البلدة
أي إجمالا هو تمرّد شرائح مُختلفة من الشعب على "الحاكم" بسبب وبدونه.

ومع اقتراب أول صلاة جمعة بعد رحيل ابن علي، كان الأئمة هم أول من حلّت بهم لعنة (ديقاج). لكنّها (ديقاج) حسب الطريقة الشرعية. حيث يقف إمام الثورة إلى جوار إمام السلطة، ويستشير المصلّين فيمن يختارون خطيبا للجمعة. ثمّ يتمّ تنفيذ قرار الجماعة.
وكان من الطبيعي بعد احتكار النظام للشأن الديني –بل وتوظيفه لصالحه- أن يظهر في المجتمع عديد الوعاظ والفقهاء والدعاة. وقد قُدّم لي عرْضٌ من طرف بعض الشباب لتولّي إمامة مسجد، ماطل ابن علي في الترخيص بفتحه، رغم جهازيته.

رفضتُ الطلب لأسباب منها:
1- أنّي لم أُفكّر يوما في تحمّل مثل هذه المسؤولية. وقد طُرِح عليّ نفس العرض قبل الثورة، ورفضته متعلّلا بحجج عديدة. حتّى أنّ أحد العارضين وقتها، قال لي: [أنا أضمن لك "المنصب". فقط، عليك حلق لحيتك، وإمضاء مطلب للترشّح].
2- فتح مسجد جديد ليس بالقضية المستعجلة، وخصوصا في هذا الظرف. ومن رأيي، أن يكون التمرّد على الحاكم انتقائيا، لا آليا. كأن يتمّ خلع إمام واحد/ طرد موظف سام أو اثنين أو حتّى ثلاثة/ افتكاك سلطة أو حقّ من وزارة أو اثنتيْن.  ومن غير المعقول أن يأتي الزحف على الأخضر واليابس...

وبعد مدّة سمعتُ أنّ المسجد تمّ تدشينه. ومن الفوارق الحاصلة أنّ البعض من هؤلاء فقط ظلّ يُجاملني بِـ [تحية الإسلام]. وقد كان أغلبهم وإلى وقت قصير من "مُريديّ" المطواعين.
أمّا وقد حصلت "ثورة"، فقد انقلبت أوضاع كثيرة. ففي تلك المدّة، وخلال توسّطي في إنشاء حلقة إملاء للإناث، وصل الأمر بأحد الشبان اليانعين أن وجّه لي الكلام قائلا: [ يزّي بلا قلّة حياء ] –أعزّ الله الجميع- فهو الشاب المحافظ وأنا العجوز المتحرّر. وتمضي الأيام، وتتواصل الفوضى.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 20 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

jeudi 19 janvier 2023

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/30


.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/30

14--->2011/01/21
البصمات الخارجية للثورة بعد أسبوع واحد

اللافت للانتباه، أنّه وبعد مضيّ أسبوع واحد على سقوط ابن علي في تونس، كان شباب صفحات الفايس بوك وتويتير في أغلب الدول العربية –إن لم نقل جميعها، ودون استثناء- قد حدّدوا مواعيد انطلاق ثوراتهم. بل إنّ بلدا كالجزائر كان قد شرع في مرحلة التنفيذ. صحيح، أنّ بعض المحاولات تمّ إجهاضها –وليس هذا مجال بحث الموضوع- كالجزائر والمغرب. ولكن يجب أنّ نُقرّ بل ونبعث برسائل تقدير واعتزاز لشباب دول عربية انتفضوا ثمّ أعادوا الكرّة مرّة ومرّات كالأردن.  أو كـ سوريا والبحرين، حيث لهيب الثورة ما زال متأجّجا، وسيكون النصر بإذن الله للشعبيْن المضطهديْن في نهاية المطاف.

ونعود لجدول مواعيد الثورات في إشارة لبعضها على سبيل المثال لا غير: فقد تمّ تحديد موعد:
 * 25  يناير-جانفي 2011 لانطلاق الثورة في مصر
 * 3 شباط-فيفري 2011 في اليمن
 * 17 شباط-فيفري 2011 في ليبيا.
 * وطبعا لا بدّ أن نتوقّف عند موعديْن فلسطينيين: المطالبة بإنهاء الانقسام 15 أذار-مارس 2011/ والمطالبة بحق العودة 15 أيار-ماي 2011.
وكما كان السبق الثوري في تونس لمحمد البوعزيزي –رحمه الله- بحرق نفسه، ثم الوفاة. فقد سطعت أسماء نجوم مهندسي الثورة /الصورة المصاحبة/:  في مصر، وائل غنيم مدون بصفحات التواصل الاجتماعي/  اليمن، توكل كرمان الحائزة بعدها على جائزة نوبل/  ليبيا، فتحي تربل محامي ضحايا سجن بوسليم.

لكنّ انطلاقة الثورة في هذه البلدان الثلاثة كانت بطريقة مختلفة عمّا شهده بلد البوعزيزي. فالخطّ الثوري في تونس بدأ احتجاجا، فانتفاضة وعصيانا مدنيا، ثمّ بداية ثورة. أمّا في الدول الثلاثة الأخرى فقد أعلنها الشباب ثورة من يومها الأول:
·        ففي مصر رُفِع شعار، [مبارك ديقاج،ارحل] / [الشعب يُريد إسقاط الرئيس].
·        وفي اليمن، [الشعب يُريد إسقاط الرئيس]/ [ارحل، ديقاج، (وكلمة أخرى باللهجة اليمنية لها نفس المعنى)].
·        وفي ليبيا، [ثوري ثوري يا بنغازي، جاك اليُوم إلِّي فيه تراجي] وقد هتف المتظاهرون بهذا الشعار قبل الموعد المقرر بيومين أي 15 فبراير2011.

وختاما لهذه النقطة، لا بدّ من الإشارة إلى ظاهرة سلبية عمّت الدول العربية في تلك الفترة، ألا وهي ظاهرة حرق النفس للتعبير عن الاحتجاج.

ولا ننسى أن نُجدّد تضامننا مع الإخوة الأشقاء في سوريا من خلال هذه الأغنية//الشريط المصاحب
والتي ردّدها المحتفلون التونسيون بالذكرى الأولى يوم 14 جانفي 2012 من شارع الحبيب بورقيبة الذي أسقط ابن علي قبل سنة// ويا لَهْ ارحل يا بشار.     

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش    
نسخة 19 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.