Pages

Nombre total de pages vues

mardi 10 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 19/19: خـــــاتمـــــة


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 19/19

خـــــاتمـــــة

 15-    خــاتــمة

          بدأت هذه المقاربة من سؤال بسيط في ظاهره: لماذا البيت؟ ولماذا الطواف؟ ولماذا عرفات والسعي والرجم والسبعية؟ لكنّ المسار كشف أن الحجّ ليس انتقالا بين أمكنة، بل عبورا بين حالات.

فالبيت مركزٌ يُعيد للإنسان فطرته، والطواف حركةٌ حول معنى، وعرفات مقام اعتراف يفصل بين مرحلتيْن، والسعي قانون طلب لا يُلغي الأسباب، والرجم مواجهةٌ داخلية لا خصومةً خارجية، والسبعية إشارة اكتمال في كل دورة من دورات التحوّل.

وحين تكتمل هذه الدورة، لا يكون السؤال: هل أتممنا المناسك؟ بل هل بدأنا حياة أخرى بعدها؟

فالحجّ، إذا لم يتحوّل إلى عمل صالح، يبقى مُمارسة مُكتملة الشكل ناقصة الأثر.

والعمل الصالح هو الامتحان الحقيقي لكل ما سبق: أن يستقيم السلوك كما استقامت الحركة، وأن يثبت الذكر كما ثبت الوقوف، وأن تتجذّر الفطرة كما تكرّر الطواف.

           هذه [مقاربة اجتهادية حول الحجّ] لا تستجيب لشروط الدراسة الأكاديمية، ولا ترقى إلى درجة الوثيقة المرجعية، وإنّما هي ومضات تكشف جوانب من مشهد الحجّ بإنطاق الزوايا الصامتة فيه.

          فهي مبادرة ذاتيّة – مُعطياتها مُتناسقة أحيانا، مُتنافرة أحيانا أخرى – لضخّ رأس مال رمزيّ يُساعد على ترميم الذاكرة الجماعية، ويُخلّصها من هيمنة طرفيْن أساسييْن: أحدهما بسيط (ديني)، والثاني مركّب (عَلماني–عَولمي)، مُتصارعيْن لبناء ذاكرة مُسلّحة بإسمنت الإيديولوجيا.

          لقد اعتمدنا على أن الشعور أدقّ من العلم في إدراك الحقائق النفسية والوجدانية، في حين يتميّز العلم بدقّته في تحليل الظواهر المادية والمنطقية. فما علِمناه عملنا به، وما غاب عنّا آمنا به، عملا بقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ] (البقرة-26)

          ونختم بما خُتمت به آيات الحجّ من دعاءٍ جامعٍ يربط بين الداريْن، ويوازن بين الحُسنييْن: [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] (البقرة-201). 

           فالحجّ ليس هروبا من الدنيا، ولا انقطاعا عن الآخرة، بل توازنا بينهما. والله وليّ التوفيق.

والله أعلم

تـــمّـت بحمد الله

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 18/19: الحجّ الحقيقي لا يزيد عدد أصحاب اللقب، بل يزيد عدد الصالحين في المجتمع


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 18/19

الحجّ الحقيقي لا يزيد عدد أصحاب اللقب، بل يزيد عدد الصالحين في المجتمع

 14-    لماذا يجب أن يُثمر الحجّ عملا صالحا؟

          إذا كان الحجّ شعيرة ظاهرة، فإنّ أثره الحقيقي لا يُقاس بما ظهر في أيام معدودات، بل بما استقرّ بعد العودة. وقد ميّز القرآن بين العمل الحسن والعمل الصالح. فالعمل الحسن قد يكون فعلا جميلا في ذاته، أمّا العمل الصالح فهو ما صَلُح به الواقع واستقام به الميزان.

          الحجّ –بوصفه دورة مُكتملة من الطواف والسعي والاعتراف والرجم يُفترض أن يُحدث إعادة ترتيب داخليّ في الإنسان. وهذه الإعادة لا معنى لها إن لم تتحوّل إلى عمل صالح في المجتمع. فالذي تعلّم في الطواف مركزية التوحيد، ينبغي أن يُسقِط ذلك على معاملاته، فلا يجعل المال أو الجاه مركزا يدور حوله. والذي تمرّن في السعي على الأخذ بالأسباب، لا يجوز أن يتحوّل بعد الحجّ إلى مستسلم للكسل أو الفوضى. والذي وقف بعرفات موقف الاعتراف، لا يليق به أن يعود إلى المُكابرة والغرور. والذي رجم الجمرات رمزا لرفض خطوات الشيطان، لا يصحّ أن يتتّبع خطواته في ظلم الناس أو أكل حقوقهم.

هنا فقط يصبح لقب "الحاجّ" مسؤولية أخلاقية لا لقبا اجتماعيّا.

         حين يتحوّل الحجّ إلى عمل صالح، لا يبقى تجربة فردية، بل يصير طاقة إصلاح داخل النسيج الاجتماعي. فالحجّ الحقيقي لا يزيد عدد الألقاب في المجتمع، بل يزيد عدد الصالحين فيه.

         فالشعيرة بداية، والتحوّل الداخليّ مرحلة، والعمل الصالح ثمرة. فإذا بقيت الشعيرة بلا ثمرة، تعطّل المقصود. أما إذا أثمرت صلاحا في السلوك والمعاملة، تحقّق معنى قوله تعالى: [ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ] الآية.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 17/19: الحاجّ لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 17/19

الحاجّ لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه

 

13-    لماذا الإشهار بالحجّ؟ ولماذا يُنادى الإنسان بلقب "الحاجّ"؟

           يستطيع المسلم أن يؤدّي كثيرا من عباداته في الخفاء: الصلاة، والصيام والزكاة والصدقات… بل قد يكون الإسرار بها أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.

          غير أنّ الحجّ يختلف في طبيعته؛ فهو عبادة جماعية زمانا ومكانا، تُؤدّى في "أشهر معلومات"، وتقوم على الإشعار والدخول في النسك علنا: إحرام يُرى، وتلبية تُسمع، ومناسك تُؤدّى في مواقيت وأمكنة محدّدة. وقد جاء توضيح ذلك مبثوثا في بابيْ "الشعائر" و"الحجّ أشهر معلومات" في المقاربة التي نحن بصددها.

           فالحجّ من الشعائر، والشعيرة بطبيعتها علامة ظاهرة، لا تجربة باطنية خالصة. إنّها عبادة تُعلن، لا ليُمدح صاحبها، بل لأنّ بنيتها قائمة على الاجتماع والظهور.

          ومن هنا جرى العُرف في المجتمعات الإسلامية على اقتران لقب "الحاجّ" باسم مَن أدّى هذه الفريضة. ولم يكن هذا اللقب في أصله وساما اجتماعيّا، بل تذكيرا دائما لصاحبه بأنّه قطع عهدا على نفسه في رحلة العمر. فالذي طاف حول مركز التوحيد، وسعى طلبا للمعنى، ووقف بعرفات موقف الاعتراف، ورجم غروره بيده، لا ينبغي أن يعود كما كان.

         إذا فُهم اللقب بوصفه شهادة اجتماعية بالتقوى، انقلب على مقصده. أمّا إذا فُهم بوصفه تذكيرا دائما بالعهد، صار مسؤولية لا امتيازا. فالفرق كبير بين أن يكون "الحاجّ" قدوة في معاملاته، متخلّقا بروح ما عاشه في المناسك، وبين أن يتحوّل اللقب إلى جواز مرور رمزيّ في الحياة اليومية.

         الحجّ في جوهره انتقال من حال إلى حال. فإنْ لم يظهر أثره في السلوك، بقي الاسم دون المسمّى.

         الإشهار بالحجّ ليس دعوة إلى التفاخر، بل طبيعة في الشعيرة نفسها. فهي عبادة جماعية علنية، تقوم على الاجتماع والإعلام. أمّا لقب "الحاجّ"، فإمّا أن يكون عهدًا مُتجدّدا يُذكّر صاحبه بما التزم به، وإمّا أن يتحوّل إلى لقب اجتماعي يفقد معناه. والحجّ الحقيقي لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 16/19: السبعة بين الكتاب المسطور والكتاب المنشور


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 16/19

السبعة بين الكتاب المسطور والكتاب المنشور

أ‌-       السبعة بين الكتاب المسطور والكتاب المنشور

      القرآن يدعو إلى تدبّر آياته، كما يدعو إلى التأمّل في الكون. فالكتاب المسطور والكتاب المنشور كلاهما يشهدان لوحدة السنن. ومن اللافت أن البناء الكوني نفسه يتكرر فيه الرقم سبعة في تصوّر الإنسان: سبع سماوات في الخطاب القرآني، وأيام الأسبوع سبعة في تنظيم الزمن الإنساني، وتقسيمات أخرى تعوّد البشر على ملاحظتها في الطبيعة، كألوان الطيْف الضوئي.

غير أنّ القيمة ليست في المصادفات العددية، بل في الإشارة إلى أنّ الدين ليس غريبا عن نظام الكون، وأنّ الشعيرة ليست منفصلة عن الفطرة.

ب‌-   السبعة في الحج… دورة التحوّل

       الحج في جوهره رحلة انتقال من التشتّت إلى المركز، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الأنا إلى الذكر. والسبعة تمنح كل مرحلة من هذه الرحلة طابع الاكتمال: طواف يكتمل/ سعي يكتمل/ مواجهة داخلية تكتمل. فلا يخرج الحاجّ من كل مقام إلا بعد أن يستوفي دورته كاملة.

ت‌-   خلاصة الفكرة

      العدد سبعة في القرآن ليس تفصيلا حسابيّا فقط، بل يحمل وظيفة بنيوية تشير إلى التمام والاكتمال. وفي الحج، تتكرّر السبعية لتؤكد أن التحوّل لا يتمّ بنصف حركة، ولا بموقف عابر، بل بدورة مكتملة في كل شعيرة.

      فالدين امتداد للفطرة، والفطرة ميزان داخلي يكتشف به الإنسان انسجام سنن الله في نفسه وفي الكون.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 15/19: رمزية العدد سبعة في الحجّ


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 15/19

رمزية العدد سبعة في الحجّ

12-    لماذا يطوف الحاجّ سبعا، ويسعى سبعا، ويرمي سبعا؟

أ‌-       العدد سبعة في القرآن الكريم والحديث الشريف

تكرّر لفظ (سبع/سبعـة) في أربعة وعشرين موضعا في القرآن الكريم منها:

[وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ] (الحجر-87)

[اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ] (الطلاق-12)

[وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ] (لقمان-27)

[مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ] (البقرة-261)

      واللافت أن هذا العدد يرد غالبًا في سياقات تدلّ على الامتداد والكمال في البنية، لا على مجرد العدّ الحسابي. فالسبع سماوات تشير إلى اكتمال البناء الكوني في طبقاته، والسبع المثاني تشير إلى تمام الرسالة في بنيتها الجامعة، والسبع سنابل صورة لمضاعفة الخير واكتماله.

وقد نجد في القرآن الكريم دلالات كونية للعدد سبعة دون ذكره، كإقرار الأطوار السبعة لخلق الإنسان: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ] (المؤمنون 12-13-14)

      وجاء في حديث قطعيّ الثبوت عن النبيء صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، كلّها شاف كاف"

ب‌-   رمزية العدد سبعة

       في الاستعمال العربي القديم، كثيرا ما استُعمل العدد سبعة للدلالة على بلوغ الشيء مداه. فهو رقم بنيوي أكثر منه رقما حسابيّا. وعندما يُستحضر في الشعائر -الطواف سبعا، السعي سبعا، رمي الجمرات سبعا- فإنه يخرج بالحركة من كونها فعلا عابرا إلى كونها دورة مكتملة.

            فالطواف سبعا ليس مجرد دوران، بل إتمام دورة حول المركز. والسعي سبعا ليس انتقالا بين نقطتيْن، بل استكمال مسار الطلب. ورمي الجمرات سبعا ليس رمية واحدة عابرة، بل إعلان متكرر، كامل، لرفض خطوات الشيطان.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026