مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19
الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور
1- لماذا الطواف بالبيت؟ ولماذا يكون الطواف عكس عقارب
الساعة؟
- لماذا الطواف بالبيت؟
إنّ الدلالات الصوتية للفظ (بــيْــت) وجدناها تُحيل إلى معنى التجمّع المُمتدّ إلى حدود، وإلى الاستقرار في
حيّز جامع يحمي من التشتّت. فالبيت في الوعي الإنساني هو
المرجع الأخير والملاذ الآمن، سواء للإنسان أو حتى للحيوان. ويؤكّد السياق القرآني هذه الدلالة؛ ففي دعاء امرأة فرعون:
[...رَبِّ ابْنِ
لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ
وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم-11) فالطلب لم يكن مجرّد مكان، بل
مقام أمان وقرب.
وكذلك في دعاء نوح عليه السلام:[رَّبِّ اغْفِرْ
لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا] (نوح-28). فالبيت هنا إطار جامع للإيمان
والانتماء.
فإذا كان هذا شأن البيت الإنساني، فكيف إذا كان الحديث عن البيت الذي
نسبه الله إلى نفسه؟[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ]
(آل عمران-96) والملاحظ
أن الفعل جاء مبنيًا للمجهول: "وُضع"، في إشارة إلى أن واضعه ليس من النّاس.
ثم يقول:[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً
لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ...]
(البقرة-125). والمثابة
من ثاب: أي عاد واجتمع. فهي موضع عَوْدٍ دائم، وموضع اجتماع كذلك. فالبيت ليس مجرد بناء، بل مركز رجوع وتوحيد.
ثم جاءت الإضافة التشريفية: [أَن طَهِّرَا
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] الآية. فبنسبته إلى الله، صار البيت بيت العبادة الخالصة وبيت
الفطرة النقية.
ومن هنا نفهم معنى الطواف: إنه حركة اقتراب دائم من مركز
الهداية. وكما تتوجّه وجوه المسلمين في الصلاة إلى هذا البيت من كل بقاع الأرض،
فيلتقي اتجاههم في نقطة واحدة، فكأنّ الاتجاه يوحّد النور المتفرّق في العالم
ليجتمع في مركز واحد.
ويحسن هنا استحضار قوله تعالى: [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ
مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ
لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا
تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ] (النور-35-36-37). حيث يرتبط النور بالبيوت التي أذن الله أن
تُرفع ويُذكر فيها اسمه.
فالوجود في بيت الله ليس وجودا مكانيا فحسب، بل هو دخول في
حيّز رمزي يجمع بين الأمن والمثابة والنور. والطواف به تحت النور مباشرة -جسدًا وروحًا- وفي المركز
الرمزي ذاته الذي منه يصعد نور الصلوات إلى السماء.
والله أعلم ... يتبع
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها
عثمان الدرويش – معلم متقاعد
رمضان 1447 / فيفري 2026




