Pages

Nombre total de pages vues

mercredi 4 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19: الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات


  

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19

الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات

 

6-    لماذا يكون الوقوف بعرفات في التاسع من ذي الحجّة؟

          في مستوى التأمل الرمزي، لو أحصينا لفظ (حجّ) كإسم معرفة بال التعريف –الحجّ- أو بالإضافة –حجّ البيت- لوجدنا عددها 10، ولعلّها تُشير للأيام العشرة من ذي الحجّة. ونجد ترتيب لفظ [الحجّ الأكبر] في هذه المجموعة هو 9 ويحتمل دلاليًا أن يكون يوم عرفات في التاسع من ذي الحجّة. زيادة على ذلك فإنّ لفظ [الحجّ الأكبر] يقع في سورة التوبة وترتيبها في المصحف الشريف 9.

     7-    لماذا يكون الحجّ في الأشهر الحرم؟ ولماذا هي أشهر حرم؟

           يقول الله تعالى في الآيتيْن 27-28 من سورة الحجّ [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ...] ويقول: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). 

          إذا كانت مناسك الحجّ أياما معلومات من ذي الحجّة، فلماذا تنصّ الآية الثانية على أنّ الحجّ أشهر معلومات؟ والجواب في صريح الآية: [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ] أي أنّ من اختار الحجّ واعيا وألزم نفسه به دخل الأشهر الحرم مِن ساعتها. وأشهُر من الجذر (ش،هـ،ر) كما بيّنّا أعلاه، تُفيد البيان والوضوح. ولفظ (أشهُر) يُوحي بالإشهار. فيُصبح الحجّ إشهارا معلوما لا التزاما خفيّا. وقاصد الحجّ عقد –من لحظتها- ميثاقا أخلاقيا شاملا، (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج).  والرفث والفسوق والجدال ليست مجرد أفعال، بل هي مبادئ أساسية.

·        الرفث هو كلّ ما لا يرغب الإنسان في إذاعته وانتشاره. والرفث ليس قمعا للجسد بل ترقية للإنسان واحترام للذات.

·        الفسوق هو الخروج عن المنظومة القيميّة. فيكون الحاجّ متناسقا مع نفسه، ولا يُمارس ازدواجية أخلاقية.

·        الجدال ليس الحوار، بل هو صراع لإثبات الذات.

          فمبادئ الحجّ هي ضبط الغريزة وثبات القيم وسقوط الأنا. وهذه المبادئ تُحقّق غاية الأمن التي نجدها في العبارة القرآنية (ومن دخله كان آمنا). والآمن اسم فاعل، يمنح بمقتضاه الحاجّ الأمن للمجتمع والطبيعة والبيئة. ويُحرّم عليه –خلال هذه الأشهر الحرم- الاعتداء على الإنسان والحيوان، فيمتنع عن صيد البرّ للمُحافظة على التوازن البيئي، ويُحقّق المتحاربون هدنة تعود فيها الحياة لطبيعتها. وقد تطول تلك الهدنة فتُصبح فرصة للصلح. فالهدف من المكان والزمان الآمنين في العالم بأسره هو فرصة للصلح وترميم الطبيعة.

   فالحجّ ليس رحلة جسد فقط، وليس حدثا عابرا تُؤدّى مناسكه في زمن محدّد وينتهي بانتهاء أيّامه، وإنّما هو ميثاق لزمن مُمتدّ يُشهر من خلاله الحاجّ قيمه.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

 5-    لماذا تُعتمد الأشهر القمرية في تحديد موسم الحجّ؟

          يدّعي بعضهم أنّ موسم الحجّ يجب أن يكون ثابتا في شهر ديسمبر، وأنّ تحرّك موسم الحجّ داخل شهور السنة الشمسية وانتقاله من فصل إلى فصل آخر هو إجراء مُجانب للصواب. حيث من غير المنطقي أن يكون شهر ربيع الأول مثلا في فصل الشتاء، أو أن يتوافق شهر رمضان (الرمضاء) مع شهر جانفي. نقول:

·        [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...](البقرة-189)

       الأهلة والهلال من الجذر (هـ،ل) وهلّ الشيء أي جاء. والهلال هو ما نراه بأعيننا من ظهور للقمر في منازله المتعددة.

·        مواقيت الناس في القرآن الكريم تعتمد حساب الأشهر القمرية. [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...]

        فالمقصود بـ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أربعة أشهر قمرية وعشر منازل للقمر، وليست أياما شمسية، لأنّنا نقول: عشر منازل (مفرد منزلة) وعشرة أيام (مفرد يوم). ولفظ شهر ومشتقاته من الجذر (ش،هـ،ر) يعني الظهور والوضوح. [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] (التوبة-36) جمع شهر هو شهور وأشهر. واستعمال الشهور في هذه الآية دلالة على ثبات عدد الشهور في كتاب الله بدون زيادة أو نقصان =بعيدا عن تفاعل البشر وحساباتهم=. أمّا إذا جُمع شهر على "أشهر" فهو دليل على تحرّك الأشهر ومرونتها حسب تفاعل البشر وحساباتهم.  لذلك قال الله تعالى في الآية 197 من سورة البقرة [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ...] وليست شهورا. ومثال ذلك كذلك:

-         [لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة-226)

-         [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا] (البقرة-234)

-         [وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] (الطلاق-4)

          في هذه الأمثلة تظهر مرونة هذه الأشهر، فتتفاعل المطلّقة والمُتوفى عنها زوجها في حساب عدّتها بثبات في عدد الأشهر ومرونة في المساحة الزمنية.

        أمّا بخصوص عدم توافق أسماء الشهور القمرية وفصول السنة الشمسية (عدم ثبات رمضان في شهر سبتمبر والحجّ في شهر ديسمبر) فإنّنا نجده كذلك في الأشهر الشمسية، مثلا: ترجمة سبتمبر (العدد7 ورتبته في السنة 9) أكتوبر (العدد8 والرتبة 10) نوفمبر (العدد9 والرتبة 11) ديسمبر (العدد10 والرتبة12) 

sept/embre; octo/bre; nov/embre;dec/embre

 والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

lundi 2 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 4/19: لماذا نحجّ؟


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 4/19
لماذا نحجّ؟

4-    لماذا نحجّ؟

          قال الله تعالى: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ](آل عمران-97) في الاستدلال على وجوب الحجّ، يكتفي الفهم الشائع غالبا بصدر الآية: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ويُغفل عجزها: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وهذا بَتر يُضعف المعادلة القرآنية، وخطأ جسيم يجعل المسلم العادي يُحوّل –عن دراية أو بدونها- الفريضة إلى أمر توجيهي. فالآية كاملة تحمل مُعادلة دقيقة، طرفاها: كــفر وإيــمان. وتُقيم مقابلة دقيقة بين الامتثال والجحود، لا بين الفعل والترك المُجرّديْن. فالحجّ ليس توجيها تعبّديا يُثاب فاعله فحسب، بل هو التزام يَدخل في دائرة التكليف المُلزم لِمن تحققّت فيه الاستطاعة. وعدم حجّ المُستطيع لا يُفهم بوصفه مجرّد تقصير عابر، بل باعتباره جحودا عمليّا لمعنى الفريضة، أي كفرا سلوكيّا لا عقائديّا. إذ الكفر في اللغة ستر وتغطية، وقد يكون سترا للحقيقة بالفعل لا بالاعتقاد.

 

           ولتوضيح بنية المقابلة، يمكن الاستئناس بقوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِۚ] (آل عمران-13) يعني: فئة تُقاتل في سبيل الله، فهي مؤمنة تُقابلها أخرى كافرة، إذن هي تُقاتل في سبيل الطاغوت. فالمقابلة هنا ليست توصيفا عابرا، بل تحديد لاتجاهيْن مُتباينيْن في القصد والولاء.  

 

           الحجّ من فرائض الإسلام، شأنه شأن الفرائض التي نصّ عليها القرآن في مجالات أخرى، كالمواريث والصدقات، حيث خُتمت الآيات بعبارة: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) وهي صيغة تقرير تشريعي لا تحتمل التخفيف الدلالي.

-         [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن ....... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] (النساء-11)

-         [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة-60)

 

         غير أنّ رحمة الله بعباده تتجلّى في أنّ فريضة الحجّ لا تُؤدّى إلاّ مع الاستطاعة، وأنّ زمن أدائها مُتّسع. حيث قال: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). فالتعبير (فَمَنْ فَرَضَ) يدلّ على أن المسلم يختار الموسم الذي يُلزم فيه نفسه بأداء الفريضة، لكنّه لا يختار أصل الفريضة ذاتها. الاختيار هنا متعلّق بالتوقيت، لا بالمشروعية.

 

         وقد شاع في الوعي الديني أنّ الحجّ يُعيد الإنسان "كيوم ولدته أمّه"، وكأنّ الفريضة بذاتها ضمانة مُطلقة. غير أنّ القرآن يربط المغفرة بشروط أخرى متكاملة: [وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى] (طه-82).

       فالحجّ إذن، ليس مسحا آليّا للماضي، بل بداية مسار جديد مشروط بالتوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء المستمر. نحن نحجّ لأنّ الحجّ فريضة. ونحجّ لأنّ في أدائه إعلان امتثال واع، لا مُجرّد مُمارسة شكليّة موروثة. ونحجّ لأنّ تركه مع القدرة ليس حيادا، بل هو موقف.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 3/19: الشعائر نقاط شحن روحاني توقظ القلب قبل أن تُحرّك الجسد


3/19 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ

الشعائر نقاط شحن روحاني توقظ القلب قبل أن تُحرّك الجسد 

 ثالثا: من العلامة إلى السلوك

  فالشعائر فضاءات ومواعيد وعلامات ربّانية في مصدرها، تتوجّه ابتداءً إلى الوجدان، فتُوقظ الوعي وتُحرّك الداخل وتُعاد لتُبقي المعنى حيّا. وجاءت شعائر الحجّ مبثوثة في ست سور قرآنية كمبادئ عامة ثابتة تتسم بالمرونة والشمول، مما يسمح بتطبيقها على مرّ الأجيال.

والمناسك هي إجراءات تطبيقية يمارسها حجاج بيت الله عبر مسارات تفترق أحيانا وتتلاقى أحيانا أخرى حسب إرشادات نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع "خذوا عنّي مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا"، امتثالا لقوله تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ](الحج-67). فالمناسك سلوكيات بشرية تحتاج إلى تعليم وتصحيح. وتهدف من خلال الانتقال من المناسك المجسّدة إلى الشعائر المجرّدة لتعظيم الرمز الإلهي وتزكية القلب.

في الآية 32 من سورة الحجّ:[ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ] جاء التعبير بالتعظيم لا بمجرد الأداء. أي أنّ الخطر ليس في الترك وحده، بل في أداء أُفرِغ من معناه. وتقول الآية: من تقوى القلوب ولم تقل (من تقوى العقول أو الجوارح). أي أنّ الشعائر هي نقاط شحن روحاني توقظ القلب قبل أن تُحرّك الجسد. فالله يضع العلامة، والإنسان يتلقّاها. الصفا والمروة مثلا لا يُفسّر معناهما العقل بل يتلقّى معناهما بالسعي والتأمّل.

 والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

samedi 28 février 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 2/19 : الشعائر والمناسك/ في الجذور اللغوية والدلالية

 

 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 2/19 

                                        الشعائر والمناسك: في الجذور اللغوية والدلالية                                     

1-    الشعيرة علامةٌ إلهية… والمنسك سلوكٌ بشري    

أولًا: في الجذور اللغوية والدلالية

                        شعــائر من الجذر الدلالي (ش،ع،ر) ما يشعر المرء بوجوده.  ومن (ش،ع،ر):

-         الشعور أي الإحساس الداخلي/الفطرة،

-         والشعار، فقد جاء في منجد اللغة والأعلام: [الشِّعار هو ما تحت الدّثار من اللباس وما يلي شعر الجسد.] فالفقير الذي ليس لديه إلاّ ثوب واحد وقد التصق بشعر جسده، صار له شعـار. وفي لغة العرب نقول جاء فلان وشعاره عليه. أي أنّ القائل تعرّف على ذلك الشخص –ولو من بعيد- من خلال شعاره. وربما من هنا نجد: هذا شعار قناة كذا، أو شركة كذا... أي أصبحت لديها علامة مميّزة عن غيرها.  

-         والإشعار، إرسال إشارة رمزية يُدرك معناها، كإشارات المرور.

وبذلك تُصبح دلالة [شعــــائر] شبكة المشاعر والشعارات والإشعارات أي منظومة من الأحاسيس والرموز والعلامات.

                        أما منــاسك فهي من الجذر الدلالي (ن،س،ك) ولو اعتمدنا الجذر الثنائي (ن،س) في: نسخ – نسج – نسق... لوجدنها تشترك في معنى الحركة الانسيابية المنتظمة. لكنّ حرف الكاف في (نسك) يفيد الانتهاء إلى حدّ. فيصبح معنى نسك: سريان فعل منظّم وفق نسق ينتهي إلى حدّ. وبزيادة الميم والألف يزداد معنى منــاسك –على وزن مفاعل، صيغة منتهى الجموع- ليصير سريان مجموعة من الأفعال المنظّمة وفق نسق ينتهي إلى حدّ. وهذا الحدّ يُمكن أن يكون مكانا مثل مشارق، أو زمانا كــمواسم أو أحداثا مثل منافع.   

ثانيا: في الاستعمال القرآني

             ورد لفظ (شعــائر) في القرآن الكريم أربع مرات ومضافة دائما للفظ الجلالة [شعائر الله]، وكلّها في موضوع الحجّ.

* [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ] (البقرة-158)

* [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ] (المائدة-2) 

* [ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ] (الحج-32)

* [وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ] (الحج-36)

               وورد لفظ (منـاسك) في القرآن الكريم أربع مرات ومضافة دائما للعباد [مناسكنا / مناسككم...]، وكلّها في موضوع الحجّ.

* [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة- 128)

* [فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا] (البقرة- 200)

* [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] (الحج- 34)

* [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ] (الحج- 67)

 

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026