1-
لماذا نحجّ؟
قال الله تعالى: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ](آل عمران-97) في الاستدلال على
وجوب الحجّ، يكتفي الفهم الشائع غالبا بصدر الآية: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ويُغفل عجزها:
(وَمَنْ
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وهذا بَتر يُضعف
المعادلة القرآنية، وخطأ جسيم يجعل المسلم العادي يُحوّل –عن دراية أو بدونها-
الفريضة إلى أمر توجيهي. فالآية
كاملة تحمل مُعادلة دقيقة، طرفاها: كــفر وإيــمان. وتُقيم مقابلة دقيقة بين الامتثال
والجحود، لا بين الفعل والترك المُجرّديْن. فالحجّ ليس توجيها تعبّديا يُثاب
فاعله فحسب، بل هو التزام يَدخل في دائرة التكليف المُلزم لِمن تحققّت فيه الاستطاعة.
وعدم حجّ المُستطيع لا يُفهم بوصفه مجرّد تقصير عابر، بل باعتباره
جحودا عمليّا لمعنى الفريضة، أي كفرا سلوكيّا لا عقائديّا. إذ الكفر في اللغة
ستر وتغطية، وقد يكون سترا للحقيقة بالفعل لا بالاعتقاد.
ولتوضيح بنية المقابلة، يمكن الاستئناس بقوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ
كَافِرَةٌ تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِۚ] (آل عمران-13) يعني: فئة تُقاتل في سبيل الله، فهي مؤمنة تُقابلها
أخرى كافرة، إذن هي تُقاتل في سبيل الطاغوت. فالمقابلة هنا ليست
توصيفا عابرا، بل تحديد لاتجاهيْن مُتباينيْن في القصد والولاء.
الحجّ من فرائض
الإسلام، شأنه شأن الفرائض التي نصّ عليها القرآن في مجالات أخرى، كالمواريث والصدقات،
حيث خُتمت الآيات بعبارة: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) وهي صيغة تقرير
تشريعي لا تحتمل التخفيف الدلالي.
-
[يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن ....... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا
تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً
مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا] (النساء-11)
-
[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة-60)
غير أنّ رحمة الله
بعباده تتجلّى في أنّ فريضة الحجّ لا تُؤدّى إلاّ مع الاستطاعة، وأنّ زمن أدائها مُتّسع.
حيث قال: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). فالتعبير (فَمَنْ فَرَضَ) يدلّ على أن
المسلم يختار الموسم الذي يُلزم فيه نفسه بأداء الفريضة، لكنّه لا يختار أصل الفريضة
ذاتها. الاختيار هنا متعلّق بالتوقيت، لا بالمشروعية.
وقد شاع في الوعي الديني أنّ الحجّ يُعيد الإنسان "كيوم ولدته أمّه"،
وكأنّ الفريضة بذاتها ضمانة مُطلقة. غير أنّ القرآن يربط المغفرة بشروط أخرى متكاملة:
[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى] (طه-82).
فالحجّ إذن، ليس مسحا آليّا
للماضي، بل بداية مسار جديد مشروط بالتوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء المستمر.
نحن نحجّ لأنّ الحجّ فريضة. ونحجّ لأنّ في أدائه إعلان امتثال واع، لا مُجرّد مُمارسة شكليّة
موروثة. ونحجّ لأنّ تركه مع القدرة ليس حيادا، بل هو موقف.
والله أعلم ... يتبع
مسؤولية
وحقوق هذه المادّة لصاحبها
عثمان
الدرويش – معلم متقاعد
رمضان
1447 / فيفري 2026



