Pages

Nombre total de pages vues

vendredi 6 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19: الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور

 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19

الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور


1-    لماذا الطواف بالبيت؟ ولماذا يكون الطواف عكس عقارب الساعة؟

- لماذا الطواف بالبيت؟

          إنّ الدلالات الصوتية للفظ (بــيْــت) وجدناها تُحيل إلى معنى التجمّع المُمتدّ إلى حدود، وإلى الاستقرار في حيّز جامع يحمي من التشتّت. فالبيت في الوعي الإنساني هو المرجع الأخير والملاذ الآمن، سواء للإنسان أو حتى للحيوان. ويؤكّد السياق القرآني هذه الدلالة؛ ففي دعاء امرأة فرعون:

 [...رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم-11) فالطلب لم يكن مجرّد مكان، بل مقام أمان وقرب.

وكذلك في دعاء نوح عليه السلام:[رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا] (نوح-28). فالبيت هنا إطار جامع للإيمان والانتماء.

فإذا كان هذا شأن البيت الإنساني، فكيف إذا كان الحديث عن البيت الذي نسبه الله إلى نفسه؟[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] (آل عمران-96) والملاحظ أن الفعل جاء مبنيًا للمجهول: "وُضع"، في إشارة إلى أن واضعه ليس من النّاس. ثم يقول:[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ...] (البقرة-125). والمثابة من ثاب: أي عاد واجتمع. فهي موضع عَوْدٍ دائم، وموضع اجتماع كذلك. فالبيت ليس مجرد بناء، بل مركز رجوع وتوحيد.

ثم جاءت الإضافة التشريفية: [أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] الآية. فبنسبته إلى الله، صار البيت بيت العبادة الخالصة وبيت الفطرة النقية.

              ومن هنا نفهم معنى الطواف: إنه حركة اقتراب دائم من مركز الهداية. وكما تتوجّه وجوه المسلمين في الصلاة إلى هذا البيت من كل بقاع الأرض، فيلتقي اتجاههم في نقطة واحدة، فكأنّ الاتجاه يوحّد النور المتفرّق في العالم ليجتمع في مركز واحد.

            ويحسن هنا استحضار قوله تعالى: [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ] (النور-35-36-37).   حيث يرتبط النور بالبيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه.

           فالوجود في بيت الله ليس وجودا مكانيا فحسب، بل هو دخول في حيّز رمزي يجمع بين الأمن والمثابة والنور. والطواف به تحت النور مباشرة -جسدًا وروحًا- وفي المركز الرمزي ذاته الذي منه يصعد نور الصلوات إلى السماء. 

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 7/19: فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ


  مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 7/19

فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

 

8-    لماذا الهدي؟ ولماذا لا يُجزئ إلاّ في البيت الحرام؟

          حسب منجد اللغة والأعلام، الهدي من هدى يهدي وهداه أرشده، وهداه الطريق عرّفه به. والهَدِيّ الحمام الذي يُرسَل إلى الأماكن البعيدة بكُتب الأخبار فيؤديها ويعود بالأجوبة عنها. وفي فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] وبعدها مباشرة في الآية الأولى من البقرة [الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] ثم في طه الآية 123 [فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى] فاشتراك الألفاظ الثلاثة في الجذر (هـ،د،ي) ليست علاقة اشتقاق لفظي فحسب بل تتّحد في معنى التوفيق والإرشاد والصراط المستقيم. ويُصبح الهَدي طاعة عمليّة للهُدى التشريعي الذي يَسَّر للمُتمتّع إتمام النسكيْن في سفرة واحدة، وليس مجرد ذبيحة عابرة.

         يقول الله تعالى:[وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ...] (البقرة-196) أتمّوا فعل أمر من الجذر (ت،م) وتمام الشيء هو السير به إلى نهايته. فإذا شرع الحاجّ بالحجّ والعمرة عليه إتمامهما. غير أنّ الآية تُرخّص للمُحاصَر والمريض والمُتمتّع باتّباع مسارات أكثر مرونة في أداء هذه المناسك مقابل الفدية أو الهدي. وبترتيل الآيات المتعلّقة بالهدي نجد:

أ‌-       [...فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ...] (البقرة-196)

ب‌-   [...وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ...] (البقرة-196)

ت‌-   [لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ] (الحج-33)

           فمن تحلّل بين العمرة والحجّ عليه تقديم هدي شكر على الرخصة التي تمتّع بها. والهَدي اسم لما يُهدى، والإهداء لا يتمّ إلاّ بالوصول إلى محلّه، ومحلّه هو البيت العتيق. أي كما جاء في الآية 95 من المائدة (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ). وبلغ الشيء: وصل إليه. فالهدي الذي لا يبلغ الكعبة ليس هديا، بل هو ذبيحة عادية.

 

·        إشكالية: إذا كان مَن يستوجب عليه الهدي مليون حاج فقط، ما هي الطاقة البشرية التي يُمكن أن تُجهّز مليون هدي في ساعة زمنية واحدة؟ وحتى إن تمّ ذلك، فهل يبلغ مليون هدي الكعبة؟ وسنعود لهذه النقطة بعد موسم الحج، بإذن الله.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

mercredi 4 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19: الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات


  

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19

الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات

 

6-    لماذا يكون الوقوف بعرفات في التاسع من ذي الحجّة؟

          في مستوى التأمل الرمزي، لو أحصينا لفظ (حجّ) كإسم معرفة بال التعريف –الحجّ- أو بالإضافة –حجّ البيت- لوجدنا عددها 10، ولعلّها تُشير للأيام العشرة من ذي الحجّة. ونجد ترتيب لفظ [الحجّ الأكبر] في هذه المجموعة هو 9 ويحتمل دلاليًا أن يكون يوم عرفات في التاسع من ذي الحجّة. زيادة على ذلك فإنّ لفظ [الحجّ الأكبر] يقع في سورة التوبة وترتيبها في المصحف الشريف 9.

     7-    لماذا يكون الحجّ في الأشهر الحرم؟ ولماذا هي أشهر حرم؟

           يقول الله تعالى في الآيتيْن 27-28 من سورة الحجّ [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ...] ويقول: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). 

          إذا كانت مناسك الحجّ أياما معلومات من ذي الحجّة، فلماذا تنصّ الآية الثانية على أنّ الحجّ أشهر معلومات؟ والجواب في صريح الآية: [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ] أي أنّ من اختار الحجّ واعيا وألزم نفسه به دخل الأشهر الحرم مِن ساعتها. وأشهُر من الجذر (ش،هـ،ر) كما بيّنّا أعلاه، تُفيد البيان والوضوح. ولفظ (أشهُر) يُوحي بالإشهار. فيُصبح الحجّ إشهارا معلوما لا التزاما خفيّا. وقاصد الحجّ عقد –من لحظتها- ميثاقا أخلاقيا شاملا، (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج).  والرفث والفسوق والجدال ليست مجرد أفعال، بل هي مبادئ أساسية.

·        الرفث هو كلّ ما لا يرغب الإنسان في إذاعته وانتشاره. والرفث ليس قمعا للجسد بل ترقية للإنسان واحترام للذات.

·        الفسوق هو الخروج عن المنظومة القيميّة. فيكون الحاجّ متناسقا مع نفسه، ولا يُمارس ازدواجية أخلاقية.

·        الجدال ليس الحوار، بل هو صراع لإثبات الذات.

          فمبادئ الحجّ هي ضبط الغريزة وثبات القيم وسقوط الأنا. وهذه المبادئ تُحقّق غاية الأمن التي نجدها في العبارة القرآنية (ومن دخله كان آمنا). والآمن اسم فاعل، يمنح بمقتضاه الحاجّ الأمن للمجتمع والطبيعة والبيئة. ويُحرّم عليه –خلال هذه الأشهر الحرم- الاعتداء على الإنسان والحيوان، فيمتنع عن صيد البرّ للمُحافظة على التوازن البيئي، ويُحقّق المتحاربون هدنة تعود فيها الحياة لطبيعتها. وقد تطول تلك الهدنة فتُصبح فرصة للصلح. فالهدف من المكان والزمان الآمنين في العالم بأسره هو فرصة للصلح وترميم الطبيعة.

   فالحجّ ليس رحلة جسد فقط، وليس حدثا عابرا تُؤدّى مناسكه في زمن محدّد وينتهي بانتهاء أيّامه، وإنّما هو ميثاق لزمن مُمتدّ يُشهر من خلاله الحاجّ قيمه.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

 5-    لماذا تُعتمد الأشهر القمرية في تحديد موسم الحجّ؟

          يدّعي بعضهم أنّ موسم الحجّ يجب أن يكون ثابتا في شهر ديسمبر، وأنّ تحرّك موسم الحجّ داخل شهور السنة الشمسية وانتقاله من فصل إلى فصل آخر هو إجراء مُجانب للصواب. حيث من غير المنطقي أن يكون شهر ربيع الأول مثلا في فصل الشتاء، أو أن يتوافق شهر رمضان (الرمضاء) مع شهر جانفي. نقول:

·        [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...](البقرة-189)

       الأهلة والهلال من الجذر (هـ،ل) وهلّ الشيء أي جاء. والهلال هو ما نراه بأعيننا من ظهور للقمر في منازله المتعددة.

·        مواقيت الناس في القرآن الكريم تعتمد حساب الأشهر القمرية. [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...]

        فالمقصود بـ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أربعة أشهر قمرية وعشر منازل للقمر، وليست أياما شمسية، لأنّنا نقول: عشر منازل (مفرد منزلة) وعشرة أيام (مفرد يوم). ولفظ شهر ومشتقاته من الجذر (ش،هـ،ر) يعني الظهور والوضوح. [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] (التوبة-36) جمع شهر هو شهور وأشهر. واستعمال الشهور في هذه الآية دلالة على ثبات عدد الشهور في كتاب الله بدون زيادة أو نقصان =بعيدا عن تفاعل البشر وحساباتهم=. أمّا إذا جُمع شهر على "أشهر" فهو دليل على تحرّك الأشهر ومرونتها حسب تفاعل البشر وحساباتهم.  لذلك قال الله تعالى في الآية 197 من سورة البقرة [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ...] وليست شهورا. ومثال ذلك كذلك:

-         [لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة-226)

-         [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا] (البقرة-234)

-         [وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] (الطلاق-4)

          في هذه الأمثلة تظهر مرونة هذه الأشهر، فتتفاعل المطلّقة والمُتوفى عنها زوجها في حساب عدّتها بثبات في عدد الأشهر ومرونة في المساحة الزمنية.

        أمّا بخصوص عدم توافق أسماء الشهور القمرية وفصول السنة الشمسية (عدم ثبات رمضان في شهر سبتمبر والحجّ في شهر ديسمبر) فإنّنا نجده كذلك في الأشهر الشمسية، مثلا: ترجمة سبتمبر (العدد7 ورتبته في السنة 9) أكتوبر (العدد8 والرتبة 10) نوفمبر (العدد9 والرتبة 11) ديسمبر (العدد10 والرتبة12) 

sept/embre; octo/bre; nov/embre;dec/embre

 والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

lundi 2 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 4/19: لماذا نحجّ؟


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 4/19
لماذا نحجّ؟

4-    لماذا نحجّ؟

          قال الله تعالى: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ](آل عمران-97) في الاستدلال على وجوب الحجّ، يكتفي الفهم الشائع غالبا بصدر الآية: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ويُغفل عجزها: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وهذا بَتر يُضعف المعادلة القرآنية، وخطأ جسيم يجعل المسلم العادي يُحوّل –عن دراية أو بدونها- الفريضة إلى أمر توجيهي. فالآية كاملة تحمل مُعادلة دقيقة، طرفاها: كــفر وإيــمان. وتُقيم مقابلة دقيقة بين الامتثال والجحود، لا بين الفعل والترك المُجرّديْن. فالحجّ ليس توجيها تعبّديا يُثاب فاعله فحسب، بل هو التزام يَدخل في دائرة التكليف المُلزم لِمن تحققّت فيه الاستطاعة. وعدم حجّ المُستطيع لا يُفهم بوصفه مجرّد تقصير عابر، بل باعتباره جحودا عمليّا لمعنى الفريضة، أي كفرا سلوكيّا لا عقائديّا. إذ الكفر في اللغة ستر وتغطية، وقد يكون سترا للحقيقة بالفعل لا بالاعتقاد.

 

           ولتوضيح بنية المقابلة، يمكن الاستئناس بقوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِۚ] (آل عمران-13) يعني: فئة تُقاتل في سبيل الله، فهي مؤمنة تُقابلها أخرى كافرة، إذن هي تُقاتل في سبيل الطاغوت. فالمقابلة هنا ليست توصيفا عابرا، بل تحديد لاتجاهيْن مُتباينيْن في القصد والولاء.  

 

           الحجّ من فرائض الإسلام، شأنه شأن الفرائض التي نصّ عليها القرآن في مجالات أخرى، كالمواريث والصدقات، حيث خُتمت الآيات بعبارة: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) وهي صيغة تقرير تشريعي لا تحتمل التخفيف الدلالي.

-         [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن ....... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] (النساء-11)

-         [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة-60)

 

         غير أنّ رحمة الله بعباده تتجلّى في أنّ فريضة الحجّ لا تُؤدّى إلاّ مع الاستطاعة، وأنّ زمن أدائها مُتّسع. حيث قال: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). فالتعبير (فَمَنْ فَرَضَ) يدلّ على أن المسلم يختار الموسم الذي يُلزم فيه نفسه بأداء الفريضة، لكنّه لا يختار أصل الفريضة ذاتها. الاختيار هنا متعلّق بالتوقيت، لا بالمشروعية.

 

         وقد شاع في الوعي الديني أنّ الحجّ يُعيد الإنسان "كيوم ولدته أمّه"، وكأنّ الفريضة بذاتها ضمانة مُطلقة. غير أنّ القرآن يربط المغفرة بشروط أخرى متكاملة: [وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى] (طه-82).

       فالحجّ إذن، ليس مسحا آليّا للماضي، بل بداية مسار جديد مشروط بالتوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء المستمر. نحن نحجّ لأنّ الحجّ فريضة. ونحجّ لأنّ في أدائه إعلان امتثال واع، لا مُجرّد مُمارسة شكليّة موروثة. ونحجّ لأنّ تركه مع القدرة ليس حيادا، بل هو موقف.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026