Pages

Nombre total de pages vues

mardi 10 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 12/19: الكعبة…مركز الفطرة وقيام المعنى


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 12/19

                                                               الكعبة…مركز الفطرة وقيام المعنى

11-    لماذا نطوف بكعبة من الحجارة، ونسعى بين جبليْن من الصخور، ونرمي الحصاة؟

       قد يبدو المشهد لمن ينظر من الخارج مٌجرّد حركة حول بناء حجري، وانتقال بين مُرتفعيْن صخرييْن، ورمي حصيات صغيرة. لكنّ الشعائر في القرآن لا تُفهم من مادتها، بل من دلالتها.

          أولا: الكعبة… مركز الفطرة وقيام المعنى

            [ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ ...] (المائدة-97) الجذر (ك، ع، ب) يدلّ على البروز والارتفاع. يقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] ومن ذلك الكعبان: العظمان البارزان عند ملتقى الساق والقدم. وقد يُستعمل الارتفاع معنويّا، فنقول (أعلى الله كعبهم) أي رفع شأنهم. 

فالكعبة إذن ليست حجارة مرفوعة فحسب، بل قيمة مرفوعة، ومركزًا يقوم به الناس. أي يستقيم به ميزانهم الروحي. فوجود الإنسان –نفسا وجسدا- في هذا الفضاء المقدّس يجعله تحت النور الصاعد إلى السماء مباشرة، وهذا النور ليس نورا فيزيائيّا بل طاقة كهرومغناطيسية تُزكّي النفوس. وإذا كانت أول بيت وُضع للناس، فإنها توحي بالرجوع إلى الأصل، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ] (الروم-30). 

فالحركة حول الكعبة ليست تعظيمًا للحجر، بل اصطفافًا حول مركز رمزي يوحّد الاتجاه، ويجمع القلوب كما يجمع الأجساد. إنّها عودة إلى مركز المعنى بعد تشتّت الحياة.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire