الحجّ الحقيقي لا يزيد عدد أصحاب اللقب، بل يزيد عدد الصالحين في المجتمع
إذا كان الحجّ شعيرة ظاهرة، فإنّ أثره الحقيقي
لا يُقاس بما ظهر في أيام معدودات، بل بما استقرّ بعد العودة. وقد ميّز القرآن بين العمل الحسن والعمل الصالح. فالعمل الحسن قد يكون فعلا جميلا في ذاته، أمّا العمل الصالح فهو ما
صَلُح به الواقع واستقام به الميزان.
الحجّ –بوصفه دورة مُكتملة من الطواف والسعي
والاعتراف والرجم– يُفترض أن يُحدث إعادة ترتيب داخليّ في الإنسان. وهذه الإعادة لا معنى لها إن لم تتحوّل إلى عمل صالح في المجتمع. فالذي تعلّم في الطواف مركزية التوحيد، ينبغي أن يُسقِط ذلك على معاملاته،
فلا يجعل المال أو الجاه مركزا يدور حوله. والذي تمرّن في السعي على
الأخذ بالأسباب، لا يجوز أن يتحوّل بعد الحجّ إلى مستسلم للكسل أو الفوضى. والذي وقف بعرفات موقف الاعتراف، لا يليق به أن يعود إلى المُكابرة
والغرور. والذي رجم الجمرات رمزا لرفض خطوات الشيطان،
لا يصحّ أن يتتّبع خطواته في ظلم الناس أو أكل حقوقهم.
هنا فقط
يصبح لقب "الحاجّ" مسؤولية أخلاقية لا لقبا اجتماعيّا.
حين يتحوّل الحجّ إلى عمل صالح، لا يبقى
تجربة فردية، بل يصير طاقة إصلاح داخل النسيج الاجتماعي. فالحجّ الحقيقي لا يزيد عدد الألقاب في المجتمع، بل يزيد عدد الصالحين فيه.
فالشعيرة بداية، والتحوّل الداخليّ مرحلة،
والعمل الصالح ثمرة. فإذا بقيت الشعيرة بلا ثمرة، تعطّل المقصود. أما إذا أثمرت صلاحا في السلوك والمعاملة، تحقّق معنى قوله تعالى: [ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ]
الآية.
والله أعلم ... يتبع
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها
عثمان الدرويش – معلم متقاعد
رمضان 1447 / فيفري 2026

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire