Pages

Nombre total de pages vues

mardi 10 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 17/19: الحاجّ لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 17/19

الحاجّ لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه

 

13-    لماذا الإشهار بالحجّ؟ ولماذا يُنادى الإنسان بلقب "الحاجّ"؟

           يستطيع المسلم أن يؤدّي كثيرا من عباداته في الخفاء: الصلاة، والصيام والزكاة والصدقات… بل قد يكون الإسرار بها أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.

          غير أنّ الحجّ يختلف في طبيعته؛ فهو عبادة جماعية زمانا ومكانا، تُؤدّى في "أشهر معلومات"، وتقوم على الإشعار والدخول في النسك علنا: إحرام يُرى، وتلبية تُسمع، ومناسك تُؤدّى في مواقيت وأمكنة محدّدة. وقد جاء توضيح ذلك مبثوثا في بابيْ "الشعائر" و"الحجّ أشهر معلومات" في المقاربة التي نحن بصددها.

           فالحجّ من الشعائر، والشعيرة بطبيعتها علامة ظاهرة، لا تجربة باطنية خالصة. إنّها عبادة تُعلن، لا ليُمدح صاحبها، بل لأنّ بنيتها قائمة على الاجتماع والظهور.

          ومن هنا جرى العُرف في المجتمعات الإسلامية على اقتران لقب "الحاجّ" باسم مَن أدّى هذه الفريضة. ولم يكن هذا اللقب في أصله وساما اجتماعيّا، بل تذكيرا دائما لصاحبه بأنّه قطع عهدا على نفسه في رحلة العمر. فالذي طاف حول مركز التوحيد، وسعى طلبا للمعنى، ووقف بعرفات موقف الاعتراف، ورجم غروره بيده، لا ينبغي أن يعود كما كان.

         إذا فُهم اللقب بوصفه شهادة اجتماعية بالتقوى، انقلب على مقصده. أمّا إذا فُهم بوصفه تذكيرا دائما بالعهد، صار مسؤولية لا امتيازا. فالفرق كبير بين أن يكون "الحاجّ" قدوة في معاملاته، متخلّقا بروح ما عاشه في المناسك، وبين أن يتحوّل اللقب إلى جواز مرور رمزيّ في الحياة اليومية.

         الحجّ في جوهره انتقال من حال إلى حال. فإنْ لم يظهر أثره في السلوك، بقي الاسم دون المسمّى.

         الإشهار بالحجّ ليس دعوة إلى التفاخر، بل طبيعة في الشعيرة نفسها. فهي عبادة جماعية علنية، تقوم على الاجتماع والإعلام. أمّا لقب "الحاجّ"، فإمّا أن يكون عهدًا مُتجدّدا يُذكّر صاحبه بما التزم به، وإمّا أن يتحوّل إلى لقب اجتماعي يفقد معناه. والحجّ الحقيقي لا يحتاج إلى لقب يُعرّفه، بل إلى سلوك يُصدّقه.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire