خـــــاتمـــــة
بدأت هذه المقاربة من سؤال بسيط في ظاهره: لماذا البيت؟ ولماذا الطواف؟ ولماذا عرفات والسعي والرجم والسبعية؟
لكنّ المسار كشف أن الحجّ ليس انتقالا بين أمكنة، بل عبورا بين حالات.
فالبيت
مركزٌ يُعيد للإنسان فطرته، والطواف حركةٌ حول معنى، وعرفات مقام اعتراف يفصل بين مرحلتيْن،
والسعي قانون طلب لا يُلغي الأسباب، والرجم مواجهةٌ داخلية لا خصومةً خارجية،
والسبعية إشارة اكتمال في كل دورة من دورات التحوّل.
وحين
تكتمل هذه الدورة، لا يكون السؤال: هل أتممنا المناسك؟ بل هل بدأنا حياة أخرى بعدها؟
فالحجّ،
إذا لم يتحوّل إلى عمل صالح، يبقى مُمارسة مُكتملة الشكل ناقصة الأثر.
والعمل
الصالح هو الامتحان الحقيقي لكل ما سبق: أن يستقيم السلوك كما استقامت الحركة،
وأن يثبت الذكر كما ثبت الوقوف، وأن تتجذّر الفطرة كما تكرّر الطواف.
هذه [مقاربة اجتهادية حول الحجّ]
لا تستجيب لشروط الدراسة الأكاديمية، ولا ترقى إلى درجة الوثيقة المرجعية، وإنّما هي
ومضات تكشف جوانب من مشهد الحجّ بإنطاق الزوايا الصامتة فيه.
فهي مبادرة ذاتيّة – مُعطياتها مُتناسقة
أحيانا، مُتنافرة أحيانا أخرى – لضخّ رأس مال رمزيّ يُساعد على ترميم الذاكرة الجماعية،
ويُخلّصها من هيمنة طرفيْن أساسييْن: أحدهما بسيط (ديني)، والثاني مركّب (عَلماني–عَولمي)،
مُتصارعيْن لبناء ذاكرة مُسلّحة بإسمنت الإيديولوجيا.
لقد اعتمدنا على أن الشعور أدقّ من العلم
في إدراك الحقائق النفسية والوجدانية، في حين يتميّز العلم بدقّته في تحليل الظواهر
المادية والمنطقية. فما علِمناه
عملنا به، وما غاب عنّا آمنا به، عملا بقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً
فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ
كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا
وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ]
(البقرة-26)
ونختم بما خُتمت به آيات الحجّ من دعاءٍ جامعٍ يربط بين الداريْن، ويوازن بين الحُسنييْن: [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] (البقرة-201).
فالحجّ ليس هروبا من الدنيا، ولا انقطاعا عن
الآخرة، بل توازنا بينهما. والله وليّ التوفيق.
والله أعلم
تـــمّـت
بحمد الله
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها
عثمان الدرويش – معلم متقاعد
رمضان 1447 / فيفري 2026

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire