Pages

Nombre total de pages vues

dimanche 8 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 10/19: عرفات مقام الاعتراف


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 10/19

عرفات مقام الاعتراف

 10-    لماذا الحجّ عرفات؟

أولا: الدلالة الجذرية لـ عرفـات

[فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ] (البقرة-198) عرفات جمع لــعرفة، والجذر (ع،ر،ف). والعَرْف في اللغة يدلّ على الإدراك بعد تذكّر، وعلى إقرار الشيء على أصله. وضدّه الإنكار، كما في قوله تعالى: [يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ] (النحل-83). فالمعرفة ليست مجرد علمٍ ذهني، بل هي وعيٌ يعقبه اعتراف، وإلا انقلبت إلى إنكار. ومن الجذر نفسه: الأعراف سور بين الجنة والنار، والعُرف هو الحدّ بين شيئين. وهنا تبرز الدلالة الجامعة: المعرفة حدٌّ فاصل بين حالتين؛ بين ضلالٍ وهدى، وبين غفلةٍ ويقظة. فعرفات ليست مجرد اسم علم لموضع جغرافي خاص بتجمّع محدّد في مكان وزمن معيّنيْن لحالة بعينها، بل هي مقامٌ دلاليّ جامع لحالات متعددة: معرفة، تعرّف، تعارف، اعتراف. فهي أخطر مقام في رحلة الإنسان إلى ربّه، إنّه مقام الاعتراف.

ثانيا: الوقوف بعرفات، وقوف النفس قبل الجسد

الوقوف بعرفات ليس وقوف الأقدام، بل وقوف النفس أمام حقيقتها. هو مقام الاعتراف: الاعتراف بالنعمة، والاعتراف بالتقصير، والاعتراف بالضلال السابق. ومجموع هذه الحالات هو عرفـــــات. فكأنّ عرفات حدٌّ فاصل بين مرحلتين: مرحلة ما قبل المعرفة، ومرحلة ما بعدها.

فمن لم يعترف في عرفات، سيعود من الحجّ كما ذهب. أمّا من اعترف، فقد بدأ أوّل يومٍ في حياته الجديدة.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

samedi 7 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 9/19: الطواف عكس عقارب الساعة


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 9/19

الطواف عكس عقارب الساعة

       - ولماذا يكون الطواف عكس عقارب الساعة؟

       اعتدنا منذ الصغر أن نلاحظ الدواب التي تجرّ الجاروشة لدرس الحبوب والبقول تدور عكس عقارب الساعة، وكان التفسير الشعبي آن ذاك يدّعي ضمان سلامتها، ومثال ذلك كذلك في سباق العدّائين عكس عقارب الساعة. لكن مع التأمّل في النظام الكوني، نجد أن الحركة الدائرية في أغلب صورها تسير في نسق واحد -عكس عقارب الساعة-: من دوران الكواكب حول الشمس، إلى حركة الأجرام في مداراتها، إلى لفّ الإلكترونات حول النواة، إلى الدورة الدموية داخل الجسم...

       والدلالة الرمزية هنا أنّ الطواف ليس حركة اعتباطية، بل انسجام مع قانون الحركة الدائرية الذي يحكم الوجود. فالطائف لا يدور وحده؛ بل يدخل في إيقاع كوني أوسع.

              إنّ الطواف عكس عقارب الساعة ـ من حيث الرمز ـ يجعل القلب أقرب إلى مركز الدوران، وكأنّ الإنسان يقدّم قلبه قبل جسده في مسار العبودية. فيتحوّل الطواف إلى تسبيح حركي، يدخل فيه الإنسان ضمن جوقة كونية تسبّح الله في اتجاه واحد، وتتوحّد جميع مخلوقات الله بتسبيح الله سبحانه وتعالى. [وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] الآية

فحين يطوف المؤمن، لا يطوف مُنفصلًا، بل ينسجم مع حركة الوجود، ويتوحّد مع الكون في تسبيحه لله.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

vendredi 6 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19: الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور

 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19

الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور


1-    لماذا الطواف بالبيت؟ ولماذا يكون الطواف عكس عقارب الساعة؟

- لماذا الطواف بالبيت؟

          إنّ الدلالات الصوتية للفظ (بــيْــت) وجدناها تُحيل إلى معنى التجمّع المُمتدّ إلى حدود، وإلى الاستقرار في حيّز جامع يحمي من التشتّت. فالبيت في الوعي الإنساني هو المرجع الأخير والملاذ الآمن، سواء للإنسان أو حتى للحيوان. ويؤكّد السياق القرآني هذه الدلالة؛ ففي دعاء امرأة فرعون:

 [...رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم-11) فالطلب لم يكن مجرّد مكان، بل مقام أمان وقرب.

وكذلك في دعاء نوح عليه السلام:[رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا] (نوح-28). فالبيت هنا إطار جامع للإيمان والانتماء.

فإذا كان هذا شأن البيت الإنساني، فكيف إذا كان الحديث عن البيت الذي نسبه الله إلى نفسه؟[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] (آل عمران-96) والملاحظ أن الفعل جاء مبنيًا للمجهول: "وُضع"، في إشارة إلى أن واضعه ليس من النّاس. ثم يقول:[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ...] (البقرة-125). والمثابة من ثاب: أي عاد واجتمع. فهي موضع عَوْدٍ دائم، وموضع اجتماع كذلك. فالبيت ليس مجرد بناء، بل مركز رجوع وتوحيد.

ثم جاءت الإضافة التشريفية: [أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] الآية. فبنسبته إلى الله، صار البيت بيت العبادة الخالصة وبيت الفطرة النقية.

              ومن هنا نفهم معنى الطواف: إنه حركة اقتراب دائم من مركز الهداية. وكما تتوجّه وجوه المسلمين في الصلاة إلى هذا البيت من كل بقاع الأرض، فيلتقي اتجاههم في نقطة واحدة، فكأنّ الاتجاه يوحّد النور المتفرّق في العالم ليجتمع في مركز واحد.

            ويحسن هنا استحضار قوله تعالى: [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ] (النور-35-36-37).   حيث يرتبط النور بالبيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه.

           فالوجود في بيت الله ليس وجودا مكانيا فحسب، بل هو دخول في حيّز رمزي يجمع بين الأمن والمثابة والنور. والطواف به تحت النور مباشرة -جسدًا وروحًا- وفي المركز الرمزي ذاته الذي منه يصعد نور الصلوات إلى السماء. 

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 7/19: فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ


  مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 7/19

فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ

 

8-    لماذا الهدي؟ ولماذا لا يُجزئ إلاّ في البيت الحرام؟

          حسب منجد اللغة والأعلام، الهدي من هدى يهدي وهداه أرشده، وهداه الطريق عرّفه به. والهَدِيّ الحمام الذي يُرسَل إلى الأماكن البعيدة بكُتب الأخبار فيؤديها ويعود بالأجوبة عنها. وفي فاتحة الكتاب [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] وبعدها مباشرة في الآية الأولى من البقرة [الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] ثم في طه الآية 123 [فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى] فاشتراك الألفاظ الثلاثة في الجذر (هـ،د،ي) ليست علاقة اشتقاق لفظي فحسب بل تتّحد في معنى التوفيق والإرشاد والصراط المستقيم. ويُصبح الهَدي طاعة عمليّة للهُدى التشريعي الذي يَسَّر للمُتمتّع إتمام النسكيْن في سفرة واحدة، وليس مجرد ذبيحة عابرة.

         يقول الله تعالى:[وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ...] (البقرة-196) أتمّوا فعل أمر من الجذر (ت،م) وتمام الشيء هو السير به إلى نهايته. فإذا شرع الحاجّ بالحجّ والعمرة عليه إتمامهما. غير أنّ الآية تُرخّص للمُحاصَر والمريض والمُتمتّع باتّباع مسارات أكثر مرونة في أداء هذه المناسك مقابل الفدية أو الهدي. وبترتيل الآيات المتعلّقة بالهدي نجد:

أ‌-       [...فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ...] (البقرة-196)

ب‌-   [...وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ...] (البقرة-196)

ت‌-   [لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ] (الحج-33)

           فمن تحلّل بين العمرة والحجّ عليه تقديم هدي شكر على الرخصة التي تمتّع بها. والهَدي اسم لما يُهدى، والإهداء لا يتمّ إلاّ بالوصول إلى محلّه، ومحلّه هو البيت العتيق. أي كما جاء في الآية 95 من المائدة (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ). وبلغ الشيء: وصل إليه. فالهدي الذي لا يبلغ الكعبة ليس هديا، بل هو ذبيحة عادية.

 والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

mercredi 4 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19: الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات


  

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 6/19

الحجّ أشهر معلومات أم أيّام معلومات

 

6-    لماذا يكون الوقوف بعرفات في التاسع من ذي الحجّة؟

          في مستوى التأمل الرمزي، لو أحصينا لفظ (حجّ) كإسم معرفة بال التعريف –الحجّ- أو بالإضافة –حجّ البيت- لوجدنا عددها 10، ولعلّها تُشير للأيام العشرة من ذي الحجّة. ونجد ترتيب لفظ [الحجّ الأكبر] في هذه المجموعة هو 9 ويحتمل دلاليًا أن يكون يوم عرفات في التاسع من ذي الحجّة. زيادة على ذلك فإنّ لفظ [الحجّ الأكبر] يقع في سورة التوبة وترتيبها في المصحف الشريف 9.

     7-    لماذا يكون الحجّ في الأشهر الحرم؟ ولماذا هي أشهر حرم؟

           يقول الله تعالى في الآيتيْن 27-28 من سورة الحجّ [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ...] ويقول: [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ](البقرة-197). 

          إذا كانت مناسك الحجّ أياما معلومات من ذي الحجّة، فلماذا تنصّ الآية الثانية على أنّ الحجّ أشهر معلومات؟ والجواب في صريح الآية: [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ] أي أنّ من اختار الحجّ واعيا وألزم نفسه به دخل الأشهر الحرم مِن ساعتها. وأشهُر من الجذر (ش،هـ،ر) كما بيّنّا أعلاه، تُفيد البيان والوضوح. ولفظ (أشهُر) يُوحي بالإشهار. فيُصبح الحجّ إشهارا معلوما لا التزاما خفيّا. وقاصد الحجّ عقد –من لحظتها- ميثاقا أخلاقيا شاملا، (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج).  والرفث والفسوق والجدال ليست مجرد أفعال، بل هي مبادئ أساسية.

·        الرفث هو كلّ ما لا يرغب الإنسان في إذاعته وانتشاره. والرفث ليس قمعا للجسد بل ترقية للإنسان واحترام للذات.

·        الفسوق هو الخروج عن المنظومة القيميّة. فيكون الحاجّ متناسقا مع نفسه، ولا يُمارس ازدواجية أخلاقية.

·        الجدال ليس الحوار، بل هو صراع لإثبات الذات.

          فمبادئ الحجّ هي ضبط الغريزة وثبات القيم وسقوط الأنا. وهذه المبادئ تُحقّق غاية الأمن التي نجدها في العبارة القرآنية (ومن دخله كان آمنا). والآمن اسم فاعل، يمنح بمقتضاه الحاجّ الأمن للمجتمع والطبيعة والبيئة. ويُحرّم عليه –خلال هذه الأشهر الحرم- الاعتداء على الإنسان والحيوان، فيمتنع عن صيد البرّ للمُحافظة على التوازن البيئي، ويُحقّق المتحاربون هدنة تعود فيها الحياة لطبيعتها. وقد تطول تلك الهدنة فتُصبح فرصة للصلح. فالهدف من المكان والزمان الآمنين في العالم بأسره هو فرصة للصلح وترميم الطبيعة.

   فالحجّ ليس رحلة جسد فقط، وليس حدثا عابرا تُؤدّى مناسكه في زمن محدّد وينتهي بانتهاء أيّامه، وإنّما هو ميثاق لزمن مُمتدّ يُشهر من خلاله الحاجّ قيمه.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 5/19

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

 5-    لماذا تُعتمد الأشهر القمرية في تحديد موسم الحجّ؟

          يدّعي بعضهم أنّ موسم الحجّ يجب أن يكون ثابتا في شهر ديسمبر، وأنّ تحرّك موسم الحجّ داخل شهور السنة الشمسية وانتقاله من فصل إلى فصل آخر هو إجراء مُجانب للصواب. حيث من غير المنطقي أن يكون شهر ربيع الأول مثلا في فصل الشتاء، أو أن يتوافق شهر رمضان (الرمضاء) مع شهر جانفي. نقول:

·        [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...](البقرة-189)

       الأهلة والهلال من الجذر (هـ،ل) وهلّ الشيء أي جاء. والهلال هو ما نراه بأعيننا من ظهور للقمر في منازله المتعددة.

·        مواقيت الناس في القرآن الكريم تعتمد حساب الأشهر القمرية. [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...]

        فالمقصود بـ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أربعة أشهر قمرية وعشر منازل للقمر، وليست أياما شمسية، لأنّنا نقول: عشر منازل (مفرد منزلة) وعشرة أيام (مفرد يوم). ولفظ شهر ومشتقاته من الجذر (ش،هـ،ر) يعني الظهور والوضوح. [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] (التوبة-36) جمع شهر هو شهور وأشهر. واستعمال الشهور في هذه الآية دلالة على ثبات عدد الشهور في كتاب الله بدون زيادة أو نقصان =بعيدا عن تفاعل البشر وحساباتهم=. أمّا إذا جُمع شهر على "أشهر" فهو دليل على تحرّك الأشهر ومرونتها حسب تفاعل البشر وحساباتهم.  لذلك قال الله تعالى في الآية 197 من سورة البقرة [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ...] وليست شهورا. ومثال ذلك كذلك:

-         [لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة-226)

-         [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا] (البقرة-234)

-         [وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] (الطلاق-4)

          في هذه الأمثلة تظهر مرونة هذه الأشهر، فتتفاعل المطلّقة والمُتوفى عنها زوجها في حساب عدّتها بثبات في عدد الأشهر ومرونة في المساحة الزمنية.

        أمّا بخصوص عدم توافق أسماء الشهور القمرية وفصول السنة الشمسية (عدم ثبات رمضان في شهر سبتمبر والحجّ في شهر ديسمبر) فإنّنا نجده كذلك في الأشهر الشمسية، مثلا: ترجمة سبتمبر (العدد7 ورتبته في السنة 9) أكتوبر (العدد8 والرتبة 10) نوفمبر (العدد9 والرتبة 11) ديسمبر (العدد10 والرتبة12) 

sept/embre; octo/bre; nov/embre;dec/embre

 والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026