Pages

Nombre total de pages vues

mardi 10 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 14/19: رمي الجمرات... من الرمز المادّي إلى المواجهة الداخلية

 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 14/19

رمي الجمرات... من الرمز المادّي إلى المواجهة الداخلية

      ثالثا: رمي الجمرات ... من الرمز المادّي إلى المواجهة الداخلية

          الأفعال الرمزية في حياة الإنسان تعبّر عن معان باطنة. تحية العلم ليست قماشا يُكرَّم، بل قيمة تُستحضر. والحركات العسكرية ليست ميكانيكا جسديّا، بل انضباطٌ لمعنى. كذلك رمي الجمرات.

         المفهوم القرآني للشيطان لا يقدّمه كخصم مادي يُرجَم في موقع مُحدّد، بل كوسواس: [ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ] (الناس 5-6)

      لطيفة: قد ينتاب الإنسان طاقة سلبية أحيانا، وحتى يتغلّب على سلسلة الأفكار السلبية ومواجهة هذا الوسواس يُحوّل ذلك الشعور الداخلي إلى فِعْل مُشخّص: كأن يضرب الطاولة أمامه بقبضة يده أو يفرك بأصابعه مواقع مُعيّنة برأسه.

      فالمعركة الحقيقية داخل النفس. والرجم هنا فِعْل مُشخّص لمعركة غير مرئية. حين يرمي الحاج الجمرات، فهو لا يرجم كائنا خارج ذاته، بل يعلن رفضه لخطوات الشيطان: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ] (النور-21) والشيطان يستحوذ على النفس فيُنسيها ذكر الله [اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ] (المجادلة-19)

         ومن هنا يأتي التتابع القرآني اللافت: الرجم في أيام معدودات، ثم الأمر بذكر الله [وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ] (البقرة-203) فكأنّ الرجم كبح للنفس الأمّارة بالسوء، والذِكر استعادة للسيطرة الداخلية. إنّه رجم للغرور والكِبْر –وهما سمتا إبليس– قبل أن يكون رميا لحصيات.

         رابعا: خلاصة المشهد (11)

* الكعبة: مركز العودة إلى الفطرة.

* السعي: قانون الحركة في طلب المعنى.

* الرجم: مُواجهة الداخل قبل الخارج.

 فالشعائر ليست تعظيما للحجر، ولا تقديسا للجبل، ولا عداء لحصاة.

إنّها ترجمة حركية لمعركة الإنسان مع نفسه، ورحلة من التشتّت إلى المركز، ومن الانتظار السلبي إلى السعي، ومن الاستسلام للوسواس إلى الوعي والذِكر.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 13/19: السعي بين الصفا والمروة...منهج لا تضاريس


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 13/19

                                                           السعي بين الصفا والمروة...منهج لا تضاريس

         ثانيا: السعي بين الصفا والمروة ... منهج لا تضاريس

             [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ] (البقرة-158) والشعيرة في السياق القرآني ليست مُجرّد علامة، بل رمز دالّ على معنى يتجاوز ذاته. السعي بين الصفا والمروة يستحضر قصة السيدة هاجر. لكنّها ليست مُجرّد حكاية تاريخية، بل نموذج لسُنّة إلهية: أنّ الطلب الصادق لا ينفصل عن الحركة. هاجر لم تجلس تنتظر المعجزة؛ بل سعت. فكان السعي شرط انبثاق الماء. 

وهذه السنة تتكرّر في مشهد آخر، حين استسقى قوم موسى: [وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ  فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ  كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] (البقرة-60) في كلا الموضعيْن: الحجر لا ينفجر إلا بعد فعل، والرزق لا يتجلّى إلا بعد حركة.

فالسعي ليس انتقالا بين صخرتيْن، بل تدريب على أنّ الإيمان لا يُلغي الأخذ بالأسباب، وأن اليقين لا يُعفي من الحركة.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 12/19: الكعبة…مركز الفطرة وقيام المعنى


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 12/19

                                                               الكعبة…مركز الفطرة وقيام المعنى

11-    لماذا نطوف بكعبة من الحجارة، ونسعى بين جبليْن من الصخور، ونرمي الحصاة؟

       قد يبدو المشهد لمن ينظر من الخارج مٌجرّد حركة حول بناء حجري، وانتقال بين مُرتفعيْن صخرييْن، ورمي حصيات صغيرة. لكنّ الشعائر في القرآن لا تُفهم من مادتها، بل من دلالتها.

          أولا: الكعبة… مركز الفطرة وقيام المعنى

            [ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ ...] (المائدة-97) الجذر (ك، ع، ب) يدلّ على البروز والارتفاع. يقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] ومن ذلك الكعبان: العظمان البارزان عند ملتقى الساق والقدم. وقد يُستعمل الارتفاع معنويّا، فنقول (أعلى الله كعبهم) أي رفع شأنهم. 

فالكعبة إذن ليست حجارة مرفوعة فحسب، بل قيمة مرفوعة، ومركزًا يقوم به الناس. أي يستقيم به ميزانهم الروحي. فوجود الإنسان –نفسا وجسدا- في هذا الفضاء المقدّس يجعله تحت النور الصاعد إلى السماء مباشرة، وهذا النور ليس نورا فيزيائيّا بل طاقة كهرومغناطيسية تُزكّي النفوس. وإذا كانت أول بيت وُضع للناس، فإنها توحي بالرجوع إلى الأصل، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ] (الروم-30). 

فالحركة حول الكعبة ليست تعظيمًا للحجر، بل اصطفافًا حول مركز رمزي يوحّد الاتجاه، ويجمع القلوب كما يجمع الأجساد. إنّها عودة إلى مركز المعنى بعد تشتّت الحياة.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

lundi 9 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 11/19: الإفاضة من عرفات والذكر


 مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 11/19

الإفاضة من عرفات والذكر

ثالثا: معنى الإفاضة من عرفات

[فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ...] الآية. أفضتم من الجذر (ف، ي، ض) يدلّ على الامتلاء الذي يعقبه تدفّق. يقال: فاض النهر إذا امتلأ وسال. وهنا تتجلّى دلالتان متكاملتان:

* إفاضة مادية: تدّفّق الحجيج من عرفات إلى المشعر.

* إفاضة روحية: امتلاء النفس بحالة الاعتراف حتى تفيض.

 فالواقف بعرفات إذا امتلأت نفسه بحالات التذكّر وإدراك الأشياء على أصلها والاعتراف الصادق بما ارتكبه من خطايا سيعود إلى الله تعالى بقلب سليم. ويذكّرنا هذا بقوله تعالى: [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ] (المائدة-83) فالفيض هنا نتيجة معرفة الحق. وكذلك الإفاضة من عرفات نتيجة امتلاء القلب بحقيقة نفسه أمام الله.

رابعا: الذكر بعد عرفات… ذكر مُختلف

تتابع نفس الآية[... فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ] والذكر هنا سيختلف عمّا كان عليه الحاجّ قبل عرفات: ذكرٌ يولد من الداخل، ذكرُ إنسان بدأ حياة جديدة، ذكرُ من خرج من عرفات شخصا آخر، وهذه الحالة هي جوهر الحجّ. ثم تأتي الخاتمة في الآية التالية مباشرة: أمرٌ بالاستغفار ووعدٌ من الله تعالى بالمغفرة. [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة-199)  فالاستغفار هو الثمرة الطبيعية للاعتراف، والمغفرة وعدٌ لمن صدق في مقام المعرفة.

عرفات هي لحظة التحوّل الكبرى في الحج. هي الحدّ الفاصل بين إنسانٍ جاء مثقلًا، وإنسانٍ يعود خفيفًا. هي مقام الاعتراف الذي يفتح باب المغفرة.

فالحجّ ليس حركة انتقال في الجغرافيا، بل عبور في الداخل. ومن لم يعبر في عرفات، لم يبلغ جوهر الحج.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

dimanche 8 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 10/19: عرفات مقام الاعتراف


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 10/19

عرفات مقام الاعتراف

 10-    لماذا الحجّ عرفات؟

أولا: الدلالة الجذرية لـ عرفـات

[فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ] (البقرة-198) عرفات جمع لــعرفة، والجذر (ع،ر،ف). والعَرْف في اللغة يدلّ على الإدراك بعد تذكّر، وعلى إقرار الشيء على أصله. وضدّه الإنكار، كما في قوله تعالى: [يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ] (النحل-83). فالمعرفة ليست مجرد علمٍ ذهني، بل هي وعيٌ يعقبه اعتراف، وإلا انقلبت إلى إنكار. ومن الجذر نفسه: الأعراف سور بين الجنة والنار، والعُرف هو الحدّ بين شيئين. وهنا تبرز الدلالة الجامعة: المعرفة حدٌّ فاصل بين حالتين؛ بين ضلالٍ وهدى، وبين غفلةٍ ويقظة. فعرفات ليست مجرد اسم علم لموضع جغرافي خاص بتجمّع محدّد في مكان وزمن معيّنيْن لحالة بعينها، بل هي مقامٌ دلاليّ جامع لحالات متعددة: معرفة، تعرّف، تعارف، اعتراف. فهي أخطر مقام في رحلة الإنسان إلى ربّه، إنّه مقام الاعتراف.

ثانيا: الوقوف بعرفات، وقوف النفس قبل الجسد

الوقوف بعرفات ليس وقوف الأقدام، بل وقوف النفس أمام حقيقتها. هو مقام الاعتراف: الاعتراف بالنعمة، والاعتراف بالتقصير، والاعتراف بالضلال السابق. ومجموع هذه الحالات هو عرفـــــات. فكأنّ عرفات حدٌّ فاصل بين مرحلتين: مرحلة ما قبل المعرفة، ومرحلة ما بعدها.

فمن لم يعترف في عرفات، سيعود من الحجّ كما ذهب. أمّا من اعترف، فقد بدأ أوّل يومٍ في حياته الجديدة.

والله أعلم ... يتبع                                                                                      

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

samedi 7 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 9/19: الطواف عكس عقارب الساعة


 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 9/19

الطواف عكس عقارب الساعة

       - ولماذا يكون الطواف عكس عقارب الساعة؟

       اعتدنا منذ الصغر أن نلاحظ الدواب التي تجرّ الجاروشة لدرس الحبوب والبقول تدور عكس عقارب الساعة، وكان التفسير الشعبي آن ذاك يدّعي ضمان سلامتها، ومثال ذلك كذلك في سباق العدّائين عكس عقارب الساعة. لكن مع التأمّل في النظام الكوني، نجد أن الحركة الدائرية في أغلب صورها تسير في نسق واحد -عكس عقارب الساعة-: من دوران الكواكب حول الشمس، إلى حركة الأجرام في مداراتها، إلى لفّ الإلكترونات حول النواة، إلى الدورة الدموية داخل الجسم...

       والدلالة الرمزية هنا أنّ الطواف ليس حركة اعتباطية، بل انسجام مع قانون الحركة الدائرية الذي يحكم الوجود. فالطائف لا يدور وحده؛ بل يدخل في إيقاع كوني أوسع.

              إنّ الطواف عكس عقارب الساعة ـ من حيث الرمز ـ يجعل القلب أقرب إلى مركز الدوران، وكأنّ الإنسان يقدّم قلبه قبل جسده في مسار العبودية. فيتحوّل الطواف إلى تسبيح حركي، يدخل فيه الإنسان ضمن جوقة كونية تسبّح الله في اتجاه واحد، وتتوحّد جميع مخلوقات الله بتسبيح الله سبحانه وتعالى. [وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] الآية

فحين يطوف المؤمن، لا يطوف مُنفصلًا، بل ينسجم مع حركة الوجود، ويتوحّد مع الكون في تسبيحه لله.

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026

vendredi 6 mars 2026

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19: الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور

 

مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 8/19

الطواف بالبيت حركة اقتراب من مركز الهداية والنّور


1-    لماذا الطواف بالبيت؟ ولماذا يكون الطواف عكس عقارب الساعة؟

- لماذا الطواف بالبيت؟

          إنّ الدلالات الصوتية للفظ (بــيْــت) وجدناها تُحيل إلى معنى التجمّع المُمتدّ إلى حدود، وإلى الاستقرار في حيّز جامع يحمي من التشتّت. فالبيت في الوعي الإنساني هو المرجع الأخير والملاذ الآمن، سواء للإنسان أو حتى للحيوان. ويؤكّد السياق القرآني هذه الدلالة؛ ففي دعاء امرأة فرعون:

 [...رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم-11) فالطلب لم يكن مجرّد مكان، بل مقام أمان وقرب.

وكذلك في دعاء نوح عليه السلام:[رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا] (نوح-28). فالبيت هنا إطار جامع للإيمان والانتماء.

فإذا كان هذا شأن البيت الإنساني، فكيف إذا كان الحديث عن البيت الذي نسبه الله إلى نفسه؟[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] (آل عمران-96) والملاحظ أن الفعل جاء مبنيًا للمجهول: "وُضع"، في إشارة إلى أن واضعه ليس من النّاس. ثم يقول:[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ...] (البقرة-125). والمثابة من ثاب: أي عاد واجتمع. فهي موضع عَوْدٍ دائم، وموضع اجتماع كذلك. فالبيت ليس مجرد بناء، بل مركز رجوع وتوحيد.

ثم جاءت الإضافة التشريفية: [أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] الآية. فبنسبته إلى الله، صار البيت بيت العبادة الخالصة وبيت الفطرة النقية.

              ومن هنا نفهم معنى الطواف: إنه حركة اقتراب دائم من مركز الهداية. وكما تتوجّه وجوه المسلمين في الصلاة إلى هذا البيت من كل بقاع الأرض، فيلتقي اتجاههم في نقطة واحدة، فكأنّ الاتجاه يوحّد النور المتفرّق في العالم ليجتمع في مركز واحد.

            ويحسن هنا استحضار قوله تعالى: [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ] (النور-35-36-37).   حيث يرتبط النور بالبيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه.

           فالوجود في بيت الله ليس وجودا مكانيا فحسب، بل هو دخول في حيّز رمزي يجمع بين الأمن والمثابة والنور. والطواف به تحت النور مباشرة -جسدًا وروحًا- وفي المركز الرمزي ذاته الذي منه يصعد نور الصلوات إلى السماء. 

والله أعلم ... يتبع

مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها

عثمان الدرويش – معلم متقاعد

رمضان 1447 / فيفري 2026