مُقاربة اجتهادية حول الحجّ 14/19
رمي الجمرات... من الرمز المادّي إلى المواجهة الداخلية
ثالثا:
رمي الجمرات ... من الرمز المادّي إلى المواجهة الداخلية
الأفعال الرمزية في حياة الإنسان تعبّر عن معان
باطنة. تحية العلم ليست قماشا يُكرَّم، بل قيمة تُستحضر. والحركات العسكرية ليست
ميكانيكا جسديّا، بل انضباطٌ لمعنى. كذلك رمي الجمرات.
المفهوم القرآني
للشيطان لا يقدّمه كخصم مادي يُرجَم في موقع مُحدّد، بل كوسواس: [ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ] (الناس 5-6)
لطيفة: قد ينتاب الإنسان طاقة سلبية أحيانا، وحتى
يتغلّب على سلسلة الأفكار السلبية ومواجهة هذا الوسواس يُحوّل ذلك الشعور الداخلي
إلى فِعْل مُشخّص: كأن يضرب الطاولة أمامه بقبضة يده أو يفرك بأصابعه مواقع
مُعيّنة برأسه.
فالمعركة الحقيقية داخل النفس.
والرجم هنا فِعْل مُشخّص لمعركة غير مرئية.
حين يرمي الحاج الجمرات، فهو لا يرجم كائنا خارج ذاته، بل يعلن رفضه لخطوات
الشيطان: [يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ] (النور-21) والشيطان يستحوذ على النفس فيُنسيها ذكر الله [اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ
اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا
إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ] (المجادلة-19)
ومن هنا يأتي التتابع القرآني اللافت: الرجم في أيام معدودات، ثم الأمر
بذكر الله [وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ
مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ]
(البقرة-203) فكأنّ الرجم كبح للنفس الأمّارة بالسوء، والذِكر استعادة للسيطرة
الداخلية. إنّه رجم للغرور والكِبْر –وهما سمتا إبليس– قبل أن يكون رميا لحصيات.
رابعا:
خلاصة المشهد (11)
* الكعبة: مركز العودة إلى الفطرة.
* السعي: قانون الحركة في طلب المعنى.
* الرجم: مُواجهة الداخل قبل الخارج.
فالشعائر ليست تعظيما للحجر، ولا تقديسا للجبل، ولا عداء لحصاة.
إنّها ترجمة حركية لمعركة الإنسان مع نفسه، ورحلة من التشتّت إلى المركز، ومن
الانتظار السلبي إلى السعي، ومن الاستسلام للوسواس إلى الوعي والذِكر.
والله أعلم ... يتبع
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها
عثمان الدرويش – معلم متقاعد
رمضان 1447 / فيفري 2026






