Pages

Nombre total de pages vues

samedi 31 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/14

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/14/ في حضرة فلسطين –تتمّة

أصبحنا في ذات جمعة من أوائل شهر جانفي 2009 وأصبح الملك لله، تلاميذ ومعلّمون يدخلون المدرسة فيدوسون نجمة الصهاينة المرسومة على الأرض [ولاتزال أثار الحبر الأزرق إلى اليوم عالقة بأسفل الخدّ الأيمن للباب الفرعيّ للمدرسة]. كانت المشاعر مختلطة متضاربة. بعض الصغار يخرجون من المدرسة ليتمكّنوا ثانية من عفس شعار العدوّ -شماتة وربما تقليدا-. وبعض الكبار ينظرون من طرف خفيّ -حيرة وربما خوفا-. وفي فترة الراحة للعاشرة صباحا، وبعد أن عرضت الأمر على تلاميذ القسم ليكونوا على دراية بمستقبل الأحداث. خرجوا وخرجتُ معهم ونحن ننادي [غزّة غزّة/ رمز العزّة]. انضمّ إلينا كلّ التلاميذ من القادمين والمغادرين. بقيتُ مع الصغار –فترة الراحة فقط- نجوب الساحة ذهابا وإيابا نهتف لغزّة وثوّارها. وبقي "العقلاء" من الكبار جانبا، وقد اكتفوا بمتابعة المشهد بعيونهم، وحتما بمشاعرهم.

بعد منتصف النهار، حان موعد صلاة الجمعة. كانت مجريات الأحداث في واد وخطبة الإمام في واد آخر. وما إن فرغنا من الصلاة حتى صحت: [غزّة غزّة/ رمز العزّة] كررتها مرّة ومرّات. فلم يستجب أحد. تساءلتُ، ربما أخطأت في اختيار الشعار، فأنا وسط مسلمين مؤمنين مصلّين. غيّرت النداء بسرعة وصحت: [لا إله إلاّ الله/ والشهيد حبيب الله] كررتها مرّة ومرّات. فلم تكن النتيجة أفضل من سابقتها. بل ساعتها كان الكثير قد غادر المسجد، والبعض من –المستنهضين لاحقا- قد حمل حذاءه في يده ربحا للوقت. انتهى المشهد الهزلي، واقترب منّي بعض المُصلين وهم يواسونني ويلومون أنفسهم. وقد بلغني فيما بعد أنّ بعض المصلّين كان قد استجاب لندائي، لكن بين طيّات ثيابه.

ولعدم الإطالة، نمرّ إلى الجمعة الموالية. فالعدوان الصهيوني متواصل. والأطفال أصبحوا أكثر اهتماما بالمسألة. كانوا يستوقفونني متسائلين: [وقتاش سيدي نعاوْدُوا غزّة غزّة]  فأحتار....هل أُخبرهم بما يجهلونه...؟
كان 11 جانفي على الأبواب،11 جانفي هو يوم "العيد الوطني للطفولة" في عهد ابن علي، وسياستنا التربوية الرشيدة ترتكز على الوضعية الدّالة وتنصّ على استعمال المثيرات العصرية. فطلبت من المتسائلين من الأطفال إعداد بحوث وصور تتناول عيد الطفولة في غزّة مقارنة ببقية الدول. في نفس الزمان والمكان وبنفس الشخصيات كان الاحتفال بعيد طفولة غزّة. لكن هذه المرّة كانت التظاهرة أكثر تنظيما. فالكثير من الصغار استعدّوا للمناسبة بصور المجزة (الصورة المصاحبة). وألقى بعضهم في الساحة على الحاضرين أدعية وقصائد. وبقي "العقلاء" من الكبار جانبا، وقد اكتفوا بمتابعة المشهد بعيونهم، وحتما بمشاعرهم. ثمّ انتهى المشهد المدرسي.

بعد منتصف النهار، حان موعد صلاة الجمعة. وكالعادة، كانت مجريات الأحداث في واد وخطبة الإمام في واد آخر. وما إن فرغنا من الصلاة حتى كنتُ أوّل المغادرين. وقفتُ على الباب في صمت وأنا أرفع لافتة، كنت قد خبّأتها بين طيّات ثيابي، كتبت عليها:[ يتوضّأ العدوّ بدمائنا / ونحن نُمنع من الصلاة جماعة ] خرج المُصلّون فرادى وجماعات، كان القليل منهم يتوقّف للحظات لقراءة اللافتة، والأغلبية تمرّ مُسرعة دون التفاتة. ولم تكن نتيجة هذه الجمعة أفضل من سابقتها.

في جمعة الأسبوع الثالث وكان العدوان قد توقّف، وبنصيحة من صديق توقّفت عن تحريض الصغار والكبار. حلقت لحيتي وانتقلت للصلاة في مسجد آخر. ولو كنت أعلم أنّه لا يفصلني سوى 155 جمعة فقط لرؤية إسماعيل هنية في تونس على منبر عقبة بن نافع، /الشريط المصاحب: http://www.youtube.com/watch?v=829zFof1YiI&feature=share
 لما امتثلتُ لنصيحة الصديق.... ولكن ما شاء الله كان.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 06 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

vendredi 30 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/13


مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/13/ في حضرة فلسطين

اليوم 5 جانفي 2012 وبحضرة فلسطين ممثّلة بيننا في شخص المجاهد الثائر إسماعيل هنية. إنّ خجلنا من أنفسنا يمنعنا اليوم من الاسترسال في الحديث عن الثورة التونسية، كيف يُمكن أن نُعدّد خسائرنا مقارنة بما قدّمته فلسطين من تضحيات. فأقلّ واجب علينا القيام به، إذا حضرت فلسطين بيننا هو الصمت. فالفعل هو الفعل الفلسطيني وحده، وما عداه هراء.

كيف يمكن لنا (اليوم 5 جانفي) الإطناب في الحديث عن وفاة محمد البوعزيزي –رحمه الله- وننسى استشهاد 5 فلسطنيين من عائلة واحدة وفي نفس (اليوم 5 جانفي) بقصف صهيوني على منزل في غزّة الصامدة. فنحن وإن كنّا بصدد الذكرى الأولى للثورة التونسية، لا يُمكن أن ننسى الذكرى الثالثة للعدوان الصهيوني على غزّة المجاهدة في مثل هذه الأيام من 2009. حيث سقط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح. هل يُمكن أن ننسى وائل الطفل الذي فقد عينيه الاثنتيْن(الصورة المصاحبة)؟ هل يُمكن أن ننسى جميلة التي فقدت رجليْها الاثنتيْن؟ هل يُمكن أن ننسى ذلك الصبي/الفيديو المصاحب: http://www.youtube.com/watch?v=wA-u8IqBMNk الطامع في حياة طبيعية كغيره من الأطفال.

في هذه الفترة من تلك السنة 2009، ساند الاتّحاد الجهوي للشغل ببنزرت –كعادته- فلسطين بفعاليات تظاهرية. جابت المسيرة يومها الشوارع الرئيسية كالعادة مُحترَمة، محفوفة برجال البوليس، مسبوقة كالعادة، بمسيرة تجمعيّة حتى لا ينفرد النقابيون –لوحدهم- بالعروبة والإسلام والإنسانية. كان يحدث ذلك في كلّ مرّة، رغم أنّ هذه المسيرات لم تكن تُشكّل خطرا على الحاكم لا في تونس ولا في غيرها من الدول العربية. فكيف يخشاها الحاكم؟ والمتظاهر يُطالب: في تونس، بفتح الحدود مع غزّة/ وفي سوريا بقطع العلاقات مع العدو الصهيوني/ وفي مصر بوقف تصدير النفط الخليجي. أي أنا وحاكمي على صواب، والخلل في الآخر. لهذا السبب ولأسباب أخرى كانت المسيرات المساندة لفلسطين تنطلق من الاتّحاد تدور في مسار معيّن -يتقلّص تدرجيا في كلّ مرّة عن سابقاتها- ثمّ تعود من جديد إلى المقرّ فرحة مسرورة.
------------------------------------------------

وفي تلك الفترة، أصدر الشيخ يوسف القرضاوي بيانا ينصّ على أن تكون تلك الجمعة يوم غضب في الوطن العربي والإسلامي. قلت في نفسي ليلة الجمعة: [ليعلم القرضاوي أنّ هناك شخصا في أقصى الأرض العربية الإسلامية قد لبّى النّداء] وكان هذا جوابي من بعد، للأصدقاء المتسائلين. خرجت ليلتها بعد منتصف الليل وأنا أحمل قارورة حبر زرقاء بلون علم الصهاينة. القارورة هي خاصّة بآلة الطباعة، ولكن لم يكن لديّ حلّ آخر فشراء علبة دهن أزرق في مثل هذا الظرف قد تكون عواقبه وخيمة. توجّهت إلى المدرسة التي أعمل بها، رسمت النجمة السداسية الزرقاء بمدخل الباب الأوّل. ثمّ تحوّلت إلى الباب الثاني لنفس الغاية. وأنا مُنحن إلى الأرض إذ بخيال شخص يقترب منّي رويدا رويدا. ما الحلّ؟ لا شيء. وقف الشخص ورائي ينتظرني. أنهيت الرسم. وقفت، تبادلنا النظرات. عرفت ملامحه العامة. سألني عمّا أفعله، فأجبته بصراحة. قال لي بالحرف الواحد وكان مخمورا: [توّا إنجي معاكم غدوة] قلت له: هذا غير ممكن، لأنّ التظاهرة ستكون داخل المدرسة. ولكن عندي طلب واحد. أنت لم تر شيئا ولم تسمع شيئا. فوعدني بذلك. وقد ثبت لي بعدها أنّه كان عند وعده.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 05 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

mercredi 28 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/12

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/12/ 
انهيار الإعلام والنظام الرسمييْن تحت الصدمة

لازلنا في الأسبوع الأوّل من سنة 2011: الاحتجاجات تتوسّع أفقيا على الأرض، أي في نقلة كميّة لا نوعية. لقد أُصيب النظام الرسمي العالمي بالذهول لما يحدث فلازم الصمت،  باستثناء ما أشرنا له سابقا من تعاطف الخارجية الفرنسية مع ابن علي، واستشراف القذافي الكاريكاتوريّ لمستقبل الحركة الاحتجاجية.
أمّا الإعلام: فالأجنبيّ منه فقد بدأ مع بداية جانفي في استرداد أنفاسه محاولا اللحاق بقناة الجزيرة في التقاط ما تناثر من مقاطع فيديو على صفحات الفايس بوك، والتي عرفت طفرة ملحوظة مع أوائل هذا الشهر.
وأمّا الإعلام الداخلي –الحكومي وشبه الحكومي- فقد انحاز للسلطة بنفس الخطابات التي اجترّها لعقود سابقة في وصف أحداث مشابهة (الفئة الضالّة والعصابات الملثّمة المأجورة في مقابل ما يبذله سيادة الرئيس من عناية بضعفاء الحال واهتمام بالمناطق المحرومة).

وممّا أذكره، تصريح عرّاف –الشارني- رأس تلك السنة على شاشة التلفاز بأنّ سنة 2011 ستكون سنة اكتشاف لحقل نفطيّ هام في الداخل التونسي. وبعد 14 جانفي عاد إلى ذهني تكّهن ذلك المنجّم. فاستغربتُ كيف تمكّن هذا العرّاف من رصد ما في باطن الأرض -وقد يحدث بعد أشهر و قد لا يحدث- ولم تُسعفه طلاسمه في استشراف وقائع تحدث أمام عينيْه، ثمّ تظهر نتائجها للجميع بعد أيّام قلائل.
------------------------------------
وأذكر مقالا لمذيع قناة الجزيرة (كريشان) بالقدس العربي في 4 جانفي 2011 تحت عنوان [لا تكتب عن تونس] هذا رابطه
 http://penseesopinions.blogspot.com/2013/06/blog-post_18.html
ليردّ فيه على أحد رجال إعلام ابن علي (الجريدي) الذي لامه على مقاله قبل أسبوع واحد أي 28 ديسمبر 2010 بعنوان [درس لوران باكبو] وحرب ساحل العاج. المذيع الكاتب صبّ غضبه في مقال [لا تكتب عن تونس] على ناقده. تفهّمتُ شعور المراسل الحربي في ذلك الوقت، بل وتعاطفتُ معه. حتى وقع ما وقع وحلّ بيننا خبير الصحافة بعد الثورة لينقلب كالملايين العشرة من التونسيين إلى خبير في السياسة. وكنت نزلتُ أحد التعليقات على نفس صفحة فايس بوك للإذاعة الذي أجرت معه اللقاء

وهذا مقتطع حرفي من التعليق بتاريخ 15 أفريل 2011: [مرحبا بالثائر/   بعد أن كتب (درس باغبو) سأله الصحفي المتحدث عنه (وماذا عن درس سيدي بوزيد؟) فأجابه في القدس العربي 04/01/2011  بمقال تحت عنوان (لاتكتب عن تونس) وهذا جزء منقول حرفيا للإعلامي الثائر:( لم تكن لي جرأة أن أتناول مقامات سامية أو انحرافات سياسية جلية - وهذا من حقّي على أية حال كأي مواطن آخر ناهيك عندما يكون صحافيا - بل اكتفيت بشيء واحد فقط لا غير هو الإعلام الذي من حقّي البديهي جدا أن أخوض فيه، كما يخوض الطبيب في عالم الطب والمهندس المعماري في شكل البنايات.) /انتهى كلام الرجل/  وهاهو الآن كغيره ينقلب من مذيع إعلامي إلى ثائر سياسي...] وقد نعود لاحقا لشواهد إعلامية أخرى

وفي باب الإعلام /الشريط: http://www.youtube.com/watch?v=mjj3oJR0urQ&feature=related
  نذكر أنّ الأسبوع الأول من السنة، وتحديدا يوم 5 جانفي 2011 تمّ الإعلان رسميّا على وفاة محرّك تسونامي الثورات محمد البوعزيزي رحمه الله //الصورة المصاحبة

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
05 / 01 / 2012
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

mardi 27 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/11

.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/11/ صمت 3 جانفي

دخلنا سنة جديدة –سنة2011- انتهت العطلة المدرسية والجامعية (نصف شهر). ومرّ اليوم الأول منها (يوم عطلة) فاليوم الثاني (يوم أحد) دون أن تشهد ساحة الصراع تصعيدا يُذكر. ثمّ حلّ يوم الإثنين 3 جانفي 2011 أول أيام دراسة بعد اندلاع الاحتجاجات. كان الجميع يتوقّع حدوث نقلة نوعية في المشهد الثوري. فاليوم يعود التلاميذ والطلبة إلى مدارسهم وجامعاتهم. هؤلاء كانوا إذا هبّت نسمة مظاهرات (ربيع باريس-ماي68) أو ريح انتفاضة (ربيع بيكين-ماي79) عصفت الجامعة بالخطب الناريّة والمسيرات التضامنية مع المضطهدين في فرنسا والصين. وهذا أمر طبيعي في تاريخ الجامعة التونسية خصوصا والجامعات الأخرى عموما. فالطالب هو الأنضج اجتماعيا من حيث التكوين والثقافة. وهو الذي لا يتقاضى أجرا حتى يخشى مؤجرّه. لذلك فهو المؤهل لقيادة كلّ احتجاج. ولكن اليوم الأول من الدراسة مرّ على الحاكم بسلام. بل تواصلت الدروس كامل الأسبوع بصفة شبه عادية.

فقد كان يقف أمام مقرّ الاتّحاد الجهوي عشرات الكهول المُحتجّين يُنادون: "يا مواطن يا ضحية، إيجا شارك في القضية" فيقف الشباب على الرصيف المقابل ينظرون في تساؤل أو تعاطف مع المُحتجّين دون أن يحاولوا شقّ الحزام الأمني المضروب على المقرّ.
وأمام استغراب الكثير، قيل إنّ الطلبة بصدد إجراء الاختبارات الثلاثية. انتظروا إلى ما بعد الخميس وسترون ما سيحدث.

وأذكر أنّ السبيل أون لاين كانت قد نشرت يوم الإثنين 3 جانفي 2011 خبرا يتيما –حسب اطّلاعي المتواضع- حول وقفة احتجاجية، لأساتذة معهد القنال (منزل الجميل-منزل عبد الرحمان).
ثم وبعد أيام عديدة، أذكر ما اُعتُبر يوما حاسما في يوميات الانتفاضة، يوم تنزيل صورة على الفايس بوك لكلية الهندسة على ما أعتقد لطلبة شكّلوا بأجسادهم عبارة "تونس حرّة" (الصورة المصاحبة).
و يوم الإثنين 10 جانفي أضرب معهد القنال المشار إليه، مع عديد المعاهد الأخرى بالجهة، وحتما كان الأمر كذلك في جهات أخرى. ومن الغد أُوقفت الدروس في المعاهد والكليّات، واكتملت مقوّمات الانتفاضة.... وللحديث بقية

ومضة: وليوم 3 جانفي صمت آخر في حقّ مناضلي تونس الحديثة. ففي يوم 3 جانفي من سنة 1984 كانت انتفاضة الخبز التي اندلعت من أقصى الجنوب هذه المرّة. واستمرّت على مشهور الأقوال المروية ستة أيام. عرفت ذروتها يوم 3 جانفي 1984 بسقوط عشرات الضحايا وإعلان حالة الطوارئ ومنع الجولان. ثمّ أخذت في التراجع إلى يوم 6 جانفي يوم إعلان بورقيبة عدوله عن قرار رفع ثمن الخبز والعجين.
وبما أنّني لم أشهد هذا الحدث التاريخي، ولم أتابعه أصلا لظرف استثنائي خاص، فلا يُمكنني كشف بعض زوايا المشهد. ولكنّ الشريط الوثائقي المُصاحب قد يُفيد من أراد الإبحار في المشهد الثوري الحديث:
وهذا رابط وثيقة نادرة بعنوان: وثيقة نص الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان حول أحداث الخبز:
يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
03 / 01 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

dimanche 25 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/10


.
مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/10/ موقع الاتحاد من الأحداث الجارية

ونحن لم ندخل بعد سنة 2011، كنّا قد عرضنا فـ9ي لعلاقة البوليس بالمُحتجّين. وأشرنا إلى العقد الضمني الذي كان واضحا بين الطرفيْن المتصارعيْن. وبالعودة إلى الطرف الثاني أي الاتّحاد والقاعدة النقابية، قلنا منذ بداية حديثنا: لم تكن هذه الاحتجاجات والتي تحوّلت فيما بعد إلى انتفاضة ثمّ إلى ثورة، لم تكن لتُفاجئ الرأي العام ولا المُراقبين لو انطلقت من داخل الاتّحاد. وذلك لعدّة أسباب منها:

* ثورة 26 جانفي 1978 الاتحاد كان الفاعل الرئيس فيها تخطيطا وتنفيذا. وحُمِّل هيكله -قيادة وقاعدة- الجزء الأوفر من تبعاتها/ الشريط المصاحب: http://www.youtube.com/watch?v=5kWCETzSkZk
 وسنعود لهذا الملف بالتحليل مطوّلا في وقته.

* الصراع داخل الإطارات النقابية كان على أشدّه قُبيل اندلاع شرارة أحداث 17 ديسمبر 2010 بخصوص تنقيح البند 10 من قانونه الداخلي، والمحدّد لفترات الترشّح لمكتبه التنفيذي.

* إضافة للظروف الاجتماعية المتردّية كارتفاع البطالة وتدهور القدرة الشرائية. فهذه المؤشرات وغيرها كانت يُمكن أن تكون سبب هذه الانتفاضة أو الثورة.

ولكنّ ذلك لا يعني أنّ هذه العوامل نفسها لم يكن لها تأثير على مُجريات الأحداث التي نحن بصددها. فحتى السلبية منها ساهمت في صنع الحدث. وكنّا قد أشرنا إلى بعضها سابقا كغياب التنسيق بين القاعدة النقابية وقياداتها، وتعدد مواقف الاتحادات الجهوية من مجريات الأحداث، بل وتناقضاتها أحيانا. ولعلّنا نستدلّ هنا بنقطة واحدة: ليلة رأس السنة الميلادية 2010/2011، هتف المحتجّون بشعارات مختلفة دون اعتراض من أحد. ولكن ما إن رفع أحدهم صوته وتبعه آخرون بِــ "عار عار عَــالاتّحاد/ وينو الموقف يا جراد" حتى استشاط بعض الحاضرين غضبا، وطالبوا بالتوقّف عن هذا النداء. ممّا جعل مصوّر التظاهرة -ياسين البجاوي- ينقل كاميراه لسطح البناية لتصوير حشود البوليس خارج المقرّ (الشريط السابق: ليلة الفصل بين سنتيْن).

لكن في المقابل، ما كانت هذه الاحتجاجات لتنجح، لو لم تفتح هذه المقرّات أحضانها للمحتجّين. فلم تكن أيّة جهة مستعدّة لخوض هذه المغامرة. وقد تحدّثنا من قبل عن الزواج غير المُعلن لحزب (ب.د.ب) بالاتّحاد الجهوي للشغل. فطيلة فترة حصار البوليس للمُحتجّين بمقرّ الاتحاد الجهوي ببنزرت، كانت الجهة الوحيدة المُفاوضة للحاكم هي الاتحاد مُمثلا في شخص الكاتب العام الجهوي، والذي كان غالبا يصل إلى حلّ وسط تقبله كلّ الأطراف. غير أنّ هذا الشخص لم يسلم بعد مدّة قصيرة من رحيل ابن علي من لعنة (ديقاج) وللحديث بقية.

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 30 / 12 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها

samedi 24 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/9


مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/9/ ليلة الفصل بين سنتيْن

قبل الثالثة مساء من ليلة رأس السنة، تقاطر المحتجّون فرادى على مقرّ الاتّحاد الجهوي للشغل ببنزرت وهو المكان الوحيد الذي انتزع حقّه لمثل هذه التجمّعات المساندة لفلسطين أو العراق أو سراييفو أو الصومال. كان المواطن العاديّ يعبر الطريق الرئيسية بالمدينة الموصل للمقرّ في جوّ ثقيل لكنّه هادئ، دون أن يتفطّن للتعزيزات الأمنية المنتشرة في زوايا ومنعرجات الطرق الفرعية القريبة من المقرّ، وخاصّة لتلك القوات البوليسية المستأجِرة أو المغتصِبة لحافلات النقل الجهوية.
في مقرّ الاتحاد، يتجمّع المحتجّون لتبادل آخر المستجدّات ولوضع ملامح فعاليات اليوم. وكمثل الأيام السابقة وحتّى اللاحقة، لم يكن هناك برنامج مسبق يتمّ التحرّك في إطاره. بل أحيانا، كان نشاط الوافدين يقتصر على تناول الأخبار العاجلة القادمة من الجهات ثمّ المغادرة، وذلك بسبب قلّة عدد الحاضرين وغياب التنسيق.

اليوم وبعد صلاة العصر تجاوز العدد المائة شخص من الجنسيْن، ولعلّي كنت أكبر الحاضرين سنّا، أو في المرتبة الثانية. كنتُ في الطابق العلوي لقضاء حاجتي -أعزّكم الله- تحسّبا لأيّ طارئ. فجأة، ودون ظهور أيّة مؤشّرات، ارتفعت الهتافات في بهو المقرّ. نزلتُ جريا، فإذا بالباب قد سُدّ برجال الأمن بالزيّ المدني في محاولة لمنع المُحتجّين من الخروج أمام المقرّ كما وقع في الأيام السابقة. وفعلا تمّ لهم ذلك هذه المرّة. وسرعان ما حاصرت المقرَّ أنواع مختلفة من البوليس.

ويتواصل المدّ والجزر لساعات: يحاول المحتجّون من حين لآخر كسر الحصار أو رجال البوليس مداهمة المقر دون أن يحاول أحد الطرفين تجاوز الخط الأحمر الذي حدّده الطرف الآخر. فمثلا :
* باب صغير بجانب المدخل الرئيسي تمّ فتحه من طرف المحتجّين لبعض الوقت، ثمّ يُغلق تحت أوامر البوليس.
* للمقرّ باب خلفيّ لم يُحاول المُحاصَرون الانفلات منه إلى الخارج، ولا البوليس اقتحامه.
كان الصف الأول من البوليس يتكوّن من أعوان بالزي المدني، بينما أحاط المحتجون أنفسهم بحزام أمني (كوردون) من رجال أقوياء عقلاء، وكلما حصلت مناوشة بين الطرفين إلاّ وتدخّل الحزامان الأمنيان لفض النزاع في أسرع وقت وبأقل خسائر ممكنة /الشريط المصاحب: http://www.youtube.com/watch?v=okKyBEaAdjM

ولم تخلُ الأمسية من طرائف متعددة ومتناقضة، فمثلا: تغيب الشمس وتظلم الدنيا فيصيح من الداخل أحد المُحاصَرين تندّرا: (يا بوليس بالله شوف أذّن المغرب باش نقيموا الصلاة.) أو استعطافا: (يا بوليس راني خوك، ابن علي هو عدوك.) أو استفزازا: (يا بوليس أوه عليك الحجامة تحكم فيك.) كنت في ذلك المساء –مثل بقية الأيام الأخرى- غالبا ما ألمح أحد أصدقائي من الأمن بالزي المدني، فيتجاهل أحدنا الآخر دون أن يُخلّ أحدنا بالواجب الذي حضر من أجله. بل شاهدتُ بأمّ عيني أحد الأعوان يشقّ صفوف البوليس ثم جموع المتظاهرين ليصل إلى أحدنا بالداخل، فيعانقه ثم يقف يتجاذب معه أطراف الحديث وبعدها يستأنف الصديقان "العدوّان" مهمتيْهما.

طال الحصار وكنت أقل الحاضرين شجاعة فقررت المغادرة واضعا مصيري بين يدي الله، وصلت إلى الحزام البوليسي بمساعدة موظّف إداريّ للاتّحاد، فإذا بالأيدي تمتدّ نحوي-لماذا؟- لتساعدني على شق مدارج المقر الغاصّة برجال الأمن. واصلتُ طريقي وسط فرق البوليس –وقد كان من بينهم إناث- ومن حين لآخر كان هذا العون أو ذاك يستوقفني سائلا عن أجواء الاحتجاجات.

مرّت الليلة بسلام، وأصبحنا من الغد على فجر سنة جديدة  

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 30 / 12 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

vendredi 23 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/8


مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/8/ تصعيد على نار هادئة

سنة 2010 توشك على النهاية، الرؤية مُنعدمة والمستقبل ضبابيّ. صحيح، أنّ احتجاجات ديسمبر قد حقّقت نتائج إيجابية على الأرض. أربكت النظام، أجبرته مرارا على تقديم تنازلات. إذْ لم يكن أحد يتوقّع أن يتمّ الإفراج عن كلّ المعتقلين بهذه البساطة، وأن تقع تحويرات هامّة في الحكومة، والشروع الفعلي في البحث عن طرق توفير مواطن شغل ومزيد العناية بالمناطق المحرومة.
ولكنّ السؤال الرئيس، كان وماذا بعد؟ فالنظام لا يحظى بثقة المحتجّين، والجنرال ابن علي لن يترك الأمر يمرّ بسلام. وكان الرأي السائد بين المُحتجّين هو أنّ ابن علي انحنى للعاصفة كسبا للوقت فقط، وسيعود للانتقام متى عاد الهدوء.  ولا سبيل إلاّ الاستمرار في مناوشته حتى انتهاء العطلة وعودة التلاميذ والطلبة. ساعتها ستتوسّع رقعة الاضطرابات ويصعب عليه الانتقام من المُنتفضين.

تواصلت في هذه الساعات الأخيرة من سنة 2010 الاحتجاجات وتوسّعت لتشمل بلدة كالعالية مثلا. فقد قام مجهولون بها بحرق لافتة كانت مرفوعة أمام مركز البريد في الطريق الرئيسية. وربما لم يسمع الكثير بالحادثة لأنّ عمّال التنظيف قاموا في صباح الغد بتنظيف المكان. غير أنّ أثار الحرق لم تُطمس إلى اليوم. ولا تزال الملامح مرئيّة على طرف الحائط الخارجي من جهة دار الثقافة، على ارتفاع أقلّ من نصف متر. وقد قمتُ –لاحقا- في مناسبات مختلفة بكشفها لثلاثة أصدقاء على الأقل.

أمّا على المستوى الوطني فقد التأم مجلس النواب في جلسة خاصة –برئاسة فؤاد المبزّع، المبزّع هو الذي تولّى رئاسة الجمهورية بعد فرار ابن علي-. لم يجتمع مجلس الشعب للبحث عن سُبل الخروج من الأزمة بل للتنديد بقناة الجزيرة الفضائية وطريقة تغطيتها للأحداث الجارية. وطبعا من الغد أصدرت الأحزاب المعارضة –الكرتونية منها فقط- بيانات تدين فيها الإعلام "الإجرامي" للجزيرة.

أمّا ميدانيّا فقد تواصلت في المقرّ الجهوي للاتّحاد الوقفات الاحتجاجية –الشبه يومية- لعشرات المتطوّعين داخله. وحتى اليوم الأخير من سنة 2010 لم يتزايد عدد المحتجّين داخله و/أو أمامه، ولم تتمكّن وقفات المساندة للمناطق المحرومة من التحوّل إلى مسيرات أو مظاهرات. غير أنّ هتافات المحتجّين في الأيّام الأخيرة من السنة شهدت نقلة نوعية. 
فبعد أن كانت:

·        من بنزرت لبن قردان شعب تونس لا يُهان/ صارت: ابن علي يا جبان شعب تونس لا يُهان
·        ومن: رفع الحصار واجب، حقّ التظاهر واجب/ إلى: حريات حريات، لا رئاسة مدى الحياة
·        ومن: شغل حرية، كرامة وطنية/ إلى: عدالة حرية، من غير طرابلسية
·        ومن: التشغيل استحقاق، يا عصابة السّراق/ إلى: يا بوليس فيق فيق، ويني فلوس الصناديق
·        وردّا على تنديد مجلس النواب بالجزيرة، كان الشعار: الإعلام حرّ حرّ، والجزيرة هي الكلّ// وكنتُ أوّل من هتف بهذا الشعار.
·        شعار آخر: يا شهيد ارتاح ارتاح، شعبك ماض في الكفاح

·        وأخيرا، من: عاش الاتّحاد، عاش عاش/ إلى: عار عار عــالاتّحاد، وينو الموقف يا جراد
وسنعود لهذا الشعار بالذات في حديثنا: ليلة الفصل بين سنتيْن

يتبع بإذن الله...والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 28 / 12 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادة لصاحبها
.

jeudi 22 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/7

.
 مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/7/ رهانات الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر


بإلقاء نظرة على المرآة العاكسة لأحداث الأيام الأخيرة من سنة 2010 يتبيّن لنا اليوم أنّ الساحة كانت مُقسّمة بين طرفيْن اثنيْن مُتصارعيْن تفصل بينهما جهات صامتة غير قليلة اختارت الحياد أو اُضطُرّت له:

1)            طرف أول هو الحاكم بأجهزته البوليسية وماكينة إعلامه البنفسجية وأصدقائه المُقرّبين في الشمال والجنوب:
*وزيرة الخارجية المتطوّعة لتقديم خبرة فرنسا الأمنية مساعدة لابن علي في إخماد الانتفاضة.
*القذافي الفاتح ذراعيه لشباب تونس المعطّل مع عروض مغرية.
2)            وطرف ثان هو الشعب بفئاته في الجهات المحرومة وقاعدته النقابية وبالخصوص رجال التعليم ومناضليه من المحامين، خصوصا الحقوقيين منهم ومفكّريه المغمورين منهم فقط.
3)            أمّا منطقة عدم الانحياز فقد غصّت بالبقية، والبقية هنا هي أغلبية كبيرة، وليست باقي عملية قسمة حسابية. ولعلّ أهمّ مكوّنات المنطقة الصامتة هذه
·        في الخارج، النظام الرسمي وشبه الرسمي من حكومات أجنبية ومنظمات مختلفة.

·        وفي الداخل، بعض القيادات المركزية في الاتّحاد العام التونسي للشغل(منظمة) وكلّ الأحزاب الموالية والمعارضة، سواء كانت كرتونية أو حديدية – ما عدا(ب.د.ب) الذي اختار كعادته في مثل هذه الحالة التحرّك تحت مظلّة الاتّحاد- / الطبقة المُرفّهة جدّا في كلّ الجهات والفئات المحرومة جدّا كـ(bidonville)العاصمة

والمُتابع للأحداث في هذه الأيام الأخيرة من سنة 2010 يستنتج وكأنّ كلّ الأطراف الفاعلة والمُحايدة على حدّ السواء تُراهن على نفس العامل، ألا وهو عامل الوقت. وكأنّ الكلّ ينتظر ما ستُفضي إليه تصرّفات الطرف المُقابل.

فالطرفان، الحاكم والشعب كانا يتحرّكان في إطار عقد بنوده ضمنية غير صريحة، ولكنّ كليهما يدرك حدود نفوذه.   النظام يتحرّك ولكن دون أن يرمي بكلّ أوراقه في سلّة واحدة. صحيح أنّ ابن علي جرّب الجزرة (الجزء6) ولكنّه كذلك، لم يستعمل العصا حتى بالدرجة التي كان يستعملها من قبل، وفي حالات دون مستوى الأحداث التي نحن بصددها.

والاحتجاجات الشعبية كانت سلمية جدا وتدور في إطار ما كان يسمح به بوليس هذه المنطقة أو تلك. حتى أنّ المُراقب يستغرب أحيانا من تحرّكات توافقية بين الطرفين المُتصارعيْن. وسنعود لهذه النقطة بالذات في أكثر من موضع من خلال مواكبتنا لهذه الانتفاضة مقارنة بشبيهاتها كثورة الخميس الأسود 26 جانفي 1978 . صحيح أنّ التحرّكات الشعبية والشعارات المرفوعة عرفت خلال الأيام الأخيرة من ديسمبر تصعيدا ملحوظا، لكنّ المُحتجّين كانوا على إدراك تام بالخط الأحمر الغير مسموح بتجاوزه.

بقيت إشارة فقط على علاقة، هي تراجع النظام عن قرار عدم السماح بعودة جثمان المناضل عزالدين القفصي إلى تونس، حيث تمّ مواراته الثرى بمدينة بنزرت/الصورة المصاحبة، والشريط التالي:
حركة الزمن تتواصل في اتّجاه نهاية 2010، والتعبئة متواصلة من الطرفيْن كذلك/ الشريط المصاحب:
يتبع بإذن الله....والسلام، عثمان الدرويش

نسخة 24 / 12 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها
.

mercredi 21 décembre 2022

مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/6


مقاربة ذاتية للمشهد الثوري الحديث في تونس/6
معادلة: عصا وجزرة الحاكم ضدّ جسد وقلم الشعب

بدأ مشهد الصراع يتشكّل منذ صباح يوم 28 ديسمبر 2010 : حيث قام ابن علي يومها بزيارة كشّاف الثورة التونسية محمد البوعزيزي بمستشفى الحروق ببن عروس، ثم استقبل عائلة البوعزيزي في قصر قرطاج، ليُنهِيَ يومه بخطاب هو الأول حول الأحداث الجارية. ورغم لهجته الصارمة ولغة التهديد بمعاقبة المشاغبين، فقد كان يحمل جزرة التشغيل لِـ(300 ألف عاطل) وزيادة الاعتمادات المخصّصة للجهة ووو... ثمّ قام في اليوم الموالي بتحويرات وزارية وأخرى في سلك الولاة.

لقد كنّا نستمع لهذا الخطاب –ثمّ للخطابيْن المواليْن- ونُتابع بعدها تحليلات المُطبّلين على شاشات التلفزة وأيدينا على قلوبنا. فعلا، فكلّ ما نسمعه هو مُطمئِن، بل ومُغرٍ. ويزداد خوفنا ونحن نرى بعض صفحات الفايس بوك تزفّ البشرى بما حقّقه الشعب من مكاسب كتوفير مواطن شغل أو رفع الحجب عن اليوتوب والإطاحة بِـ"عمار404" ثمّ نبيت على تلك الحالة لنستيقظ بعد سكر الأحلام الوردية على واقع مغاير.   

وبتقدّم ساعات الصباح شيئا فشيئا نحمد الله على أنّ ما كنّا نشاهده ليلا، في العالم الافتراضي وعلى قناة 7 الفضائية، لا ينسجم مع مُجريات الأحداث على أرض الواقع. إذ كانت الحالة ميدانيا تزداد سوءا –لا في كلّ يوم، بل في كلّ ساعة- وعوض أن يكون القانون هو الفيصل كما جاء في خطاب الرئيس كانت المعالجة البوليسية القمعية سيّدة الموقف. ويقبل الشعب التحدّي من جديد بجسد عار وصورة مُهرّبة وقلم مهاجر.

فهذه الأيام القلائل التي سبقت رأس السنة الهجرية عرفت طفرة في تنزيل مواد متنوّعة لِـ(مصادمات البوليس مع المحتجّين –وخاصّة منهم المحامين-/ أغان الراب/ قصائد شعرية/الشريط المصاحب: http://www.youtube.com/watch?v=EEWxumb1lPs
 / نداءات تحريض...) ولكن كانت جلّها من مصادر مجهولة. أمّا بيانات النقابة والرابطة والعمادة كانت غالبا ما تُذيّل بِإمضاء: نقابي من.../ عن الجمعية/ عن المكتب... طبعا كانت تصدر رسائل بأسماء وصفات أشخاص/ هؤلاء هم الذين تعوّدوا على التصريح بهوياتهم منذ سنوات وفي كلّ ظرف.

ولعلّ أهم الأحداث التي طبعت هذه الأيام هي:
*اختطاف  البوليس للأستاذيْن العيادي وبلعيد. صحيح كنّا نعرف بعض تضحيات كلّ من اليميني سمير ديلو واليساري أنور القوصري في الدفاع عن المساجين السياسيين. أمّا عبد الرؤوف العيادي فلم نكن نعرف عنه شيئا قبل مؤتمره الصحفي أواخر ديسمبر 2010، ولم نسمع عن شكري بلعيد سوى مساندته لجماعة الحوض المنجمي وقيادته للاحتجاجات الرافضة للتدخل الأمريكي في العراق. (الصورة المصاحبة)

*توقّف منصف المرزوقي على بثّ سلسلتيْ فيديواته التعبوية للشعب، فالمرحلة أصبحت تتطلّب العمل على الأرض لا على الخطابات الفضائية.

*رسائل نارية تقصفنا عن بُعد، من وراء البحار كـ: الرئيس المُفدّى، عدوّ الشعب/ إيجابية...لولا ابن علي ما اندلعت أحداث سيدي بوزيد/ إلى فخامة الرئيس...المنتهية ولايته إكلينيكيّا

*ونجد كذلك رسائل من الداخل أهمّها في اعتقادنا، رسالة الحقوقي عبد القادر الدردوري [عفوا،هذا ما نراه، يا سيادة الرئيس] الشيخ عبد القادر الدردوري الذي تابعنا على شاشة الجزيرة في تلك الفترة قضية حجز سلسلته القصصية من طرف البوليس بعد طبعها. ثمّ بعد أيام فقط انتقل إلى رحمة ربّه.

وتمضي الأيام الأخيرة من سنة 2010 ثقيلة، ثقيلة. والكلّ يُمنِّي نفسه: اصبر، قريبا تنتهي السنة، قريبا تنتهي العطلة الدراسية وسترى ما سيفعل التلاميذ وخصوصا الطلبة بِـ ابن علي وبوليسه!!؟؟

يتبع بإذن الله....والسلام، عثمان الدرويش
نسخة 22 / 12 / 2011
مسؤولية وحقوق هذه المادّة لصاحبها